×
دروس التفسير في المسجد الحرام الجزء الأول

القول الأول: أن هذه الشهادةَ هي شهادتهم أن هؤلاء الأنبياءَ ليسوا يهودًا ولا نصارى، وأنهم حنفاءُ موحدون، وأنهم كتموا هذا وقالوا: إنهم يهودٌ أو نصارى، هذا كتمان للشهادة التي يعرفونها ويعلمونها، ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ [البقرة: 140]، أي: لا أحدَ أشدُّ ظلمًا، ﴿مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً [البقرة: 140] ﴿كَتَمَ [البقرة: 140] أي: أخفاها، أخفى الشهادة ولم يظهرها عند الحاجة إليها، ﴿مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ [البقرة: 140]، هذا وعيد لليهود والنصارى الذين صدرت عنهم هذه الأقوال الباطلة، وكتموا ما عندهم مِنَ الحق كفرًا وعنادًا وحسدًا لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأتباعه مِنَ المسلمين، حسدوهم وهم يعلمون أنهم على حق.

فالله عز وجل ليس بغافلٍ عن صنيعهم وسيجازيهم على هذا الكتمان للشهادة وهذا العدوانِ في حق الأنبياء والمرسلين، الله عز وجل وإن أمهلهم فإنه لا يهملهم سبحانه، ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ [إبراهيم: 42]، ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ [البقرة: 140].

هذا وعيد شديد على مَنْ كتم الشهادة التي عنده التي تبين الحق، وكتمها لغرضٍ مِنَ الأغراض إما لحسدٍ، وإما لعنادٍ، وإما لطمعٍ دنيوي. فالله عز وجل ليس غافلاً عنْ هذا الكاتمِ للشهادة، والشهادة بالحق لا بد مِنْ أدائها إذا طلبت واحتيج إليها؛ لأنها يحصل بها بيانُ الحق مِنَ الباطل، ويحصل بها فصل النزاع بين الناس.

فمَنْ كان عنده شهادةٌ سواءٌ كانت شهادة لله عز وجل في دين الله، أو شهادة للمخلوقين في حقوقهم وخصوماتهم، فإذا احتيج إلى هذه