×
دروس التفسير في المسجد الحرام الجزء الأول

ولهذا قال: ﴿غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ [البقرة: 173]، بهذين القيدين، ﴿غَيۡرَ بَاغٖ، أي: غير مستكثر مِنْ أكل الميتة، وإنما يأكل بقدر الضرورة، ﴿غَيۡرَ بَاغٖأي: غير مستكثر مِنْ أكل الميتة وما جاء معها، وإنما يأكل بقدر ضرورته ثم يمسك؛ فإن أَكَلَ أكثر مِنْ حاجته أو ضرورته فإنه باغٍ، حرام عليه، ﴿وَلَا عَادٖ، أي: متجاوزٍ مِنَ الحلال إلى الحرام. إنسانٌ عنده المباحات عنده الطيبات لكنه يريد الحرام، هذا عادٍ معتدٍ، لا يجوز له ذلك؛ لأنه ليس له عذرٌ، هذا قول في تفسير هاتين المفردتين مِنَ الآية.

والقول الثاني: ﴿غَيۡرَ بَاغٖ [البقرة: 173] مِنَ البغي، وهو: الخروج على ولي الأمر، فإذا خرج جماعةٌ عَنْ طاعة ولي الأمر فإنهم بغاةٌ مجرمون عصاة، إذا احتاجوا إلى هذه الأشياء لا يجوز لهم أن يأكلوا منها، ولو ماتوا ما يجوز؛ لأن هؤلاء عصاةٌ لم يبحِ الله لهم حتى لو اضطروا لا يُبَاح لهم الأكلُ مِنْ هذه الأشياء.

فالباغي هو الذي يخرج على ولي الأمر، فلو احتاج إلى الميتة لا يأكل منها؛ لأن الله لم يرخص له هذا، فيرجع إلى العدل ويرجع إلى المسلمين وتذهب ضرورته؛ لأنه بفعله هذا معتدٍ، والعادي قالوا: هو الذي يتعدى على المسلمين بقطع الطريق، واحد يقطع أو جماعة يقطعون الطريق ويقتلون الناس ويأخذون أموالهم، ينهبون، فهؤلاء لو جاعوا واضطروا لا يأكلون مِنَ الميتة؛ لأن الله منعهم مِنْ ذلك، الرخص إنما تكون للمؤمنين. أما العصاة والمجرمون فلا يترخصون برخص الله سبحانه وتعالى حتى يتوبوا، يتوب الباغي ويتوب العادي وقاطع الطريق، ثم إذا تاب فإنه يكون حكمُهُ حكمَ المسلمين يأكل للضرورة.