×
دروس التفسير في المسجد الحرام الجزء الأول

أنا لو نهَيْت الناس عن الحرام ونهَيْتُهم عن الظلم فإنه من الممكن ألا أبقى على وظيفتي، يعزلوني، أو أنا إذا أنكرت على الناس ما يصير لي عندهم قيمة، ما يحترمونني، يبغضونني، ولا يصير لي قيمةٌ ومكانةٌ عند الناس، أنا أجاملهم لأجل أن يصيرَ لي منزلةٌ عندهم، أو أنا سأسكت كي أنال الوظيفة أو الرئاسة؛ لأني لو أنكرت أزالوني وعزلوني عن الوظيفة. هذا هو الذي كتم العلم واشترى به ثمنًا قليلاً، والعياذ بالله.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ [البقرة: 174]، يعني: مِنَ القرآن والسنة، ﴿يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِوهذا فيه دليل على أن القرآن كلامُ الله منزل غير مخلوق، ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا [البقرة: 174]، هو ما ذكرته لكم، يسكت عن نشر العلم وبيان الحق في مقابل أنه يأخذ راتبًا ووظيفة، أو أنه تصير له منزلة عند الناس ورئاسة عند الناس، هذا ثمنٌ قليل، وهو عنده أنه كثير، عنده أنه وظيفة وجاهٌ ومنصب، لكنه قليل، متاع قليل، الدنيا كلها مِنْ أولها إلى آخرها متاع قليل، ﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ [الرعد: 26].

﴿وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ [البقرة: 174]، الشراء هنا معناه: الاستبدال، استبدلوا بنشر العلم الذي فيه الأجر والخير، استبدلوا به الكتمان وما ينالونه مِنَ المناصب والمال، يقولون: ما منعنا مِنَ الإنكار إلا أننا نخاف على مناصبنا، أو نخاف مِنْ أن تزول رئاستنا على الناس وجاهنا، أو أنهم يؤذوننا. فهم اشترَوا، اشترَوْا يعني: باعوا الثواب الذي عند الله بعارض الدنيا الزائل، باعوا الآخرة بالدنيا، والعياذ بالله.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ [البقرة: 174] أي: ببيان القرآن والسنة والعلم ﴿ثَمَنٗا قَلِيلًا [البقرة: 174]،