﴿وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ﴾«الباء»
تدخل على المتروك، فهم اشترَوُا العذاب ودفعوا المغفرة ثمنًا له، ثم قال عز وجل: ﴿فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ﴾
[البقرة: 175]، ما أصبرهم! هذا تعجب، ما أثبتهم على الكفر والمعاصي! لا
يتزحزحون، وهم يعلمون أن مصيرهم إلى النار، هذا صبر عجيب. إنهم يصبرون وهم يعرفون
عاقبتهم ويعرفون مآلهم، وأنها النار، ومع هذا صبروا على كتمان العلم وصبروا على
بيع الهدى بالضلالة وبيع المغفرة بالعذاب، صبروا على هذا. وهذه طريقة أهل الضلال
يا عباد الله، أهل الضلال عندهم صبر وثبات على ما هم عليه مِنَ الباطل. وأما أهل الحق
فهم عندهم ضعفٌ وضجر وعدم صبر.
ولهذا
قال أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه: أشكو إلى الله ضعف المؤمن وجلد
الكافر!! الآن دعاة الضلال عندهم صبرٌ على دعوتهم إلى الضلال، يتحملون المشاق
والأخطار والأسفار، وينفقون الأموال الكثيرة للضلال، ويصبرون على ما ينالهم مِنَ
المشقة. هذا عجيب أنهم يصبرون على ضلالهم، وعجيب أن أهل الحق لا يصبرون على حقهم،
ولا حول ولا قوة إلا بالله، إلا القليل ممن هدى الله سبحانه وتعالى.
ثم
قال سبحانه وتعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ﴾
[البقرة: 176]، يعني: القرآن والسنة ﴿بِٱلۡحَقِّۗ﴾القرآن والسنة جاءا بالحق الذي هو
الهداية، الذي هو الخير، الذي هو السعادة في الدنيا والآخرة. القرآن والسنة جاءا
بكل خيرٍ عاجلٍ وآجلٍ في الدنيا والآخرة، فمَنْ كتمه - كتم هذا الخير - عَنِ
الناس؛ فإنه مجرم أشد الإجرام.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۢ بَعِيدٖ﴾ [البقرة: 176]، ﴿ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾، يعني: في القرآن