ثم
قال جل وعلا مبينًا الصنف الثاني وهم أهل الإيمان ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ﴾ [البقرة: 207]
﴿يَشۡرِي نَفۡسَهُ﴾
معناها:
قيل:
إن هذه الآية نزلت في صهيب الرومي رضي الله عنه، أراد أن يهاجر إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وكان له مال كثير، فقال له المشركون: لا يمكن أن تذهب بمالك، فإن
أردت الذَّهَابَ فاترك هذا المال. فقال لهم: خذوا المال.
فترك
ماله لهم وخرج وليس معه شيء، شرى نفسه بهذا المال الذي تركه لهم، فلما قدم المدينة
قبل أن يتكلم قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «رَبِحَ الْبَيْعُ» ([1]).
قال: وما ذاك يا رسول الله؟ فذكر له قصته مع كفار قريش، فقال له: «رَبِحَ
الْبَيْعُ»، وقال له الصحابة: ربح البيع؛ لأن الوحي نزل على رسول الله صلى
الله عليه وسلم.
فهذا
سبب نزول الآية، والآية عامة في كل مَنْ قدَّم ماله يفدي به
دينه ويفدي به نفسه؛ طاعة لله سبحانه وتعالى، فاشترى الآخرة، اشتراها بالدنيا، هذا
رابح، بخلاف الذي يشتري الدنيا بالآخرة، والعياذ بالله.
وقيل: الآية عامة في كلِّ المهاجرين الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، فهي عامة في أنهم باعوا أنفسهم لله، أو اشتروا أنفسهم. الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 111].
([1]) أخرجه: الحاكم رقم (5706)، والطبراني في الكبير رقم (7296).