لكن كان النبي صلى
الله عليه وسلم يعرف أن له مالاً، فسألهم عن مال حُيي بن أخطب: أين ذهب؟ فقال عمه:
أكلته الحرب يا رسول الله، أكلته الحرب؟ أي: النفقات، فقال: «الْعَهْدُ
قَرِيبٌ، وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ»، فهذه قرينة على أن هذه الدعوى
كاذبة؛ إذ لم تمض مدة ينفق هذا المال فيها، فاتهم صلى الله عليه وسلم عم حيي بن
أخطب بالكذب والخيانة، مع أنه عاهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقبضوا عليه، وسلمه
إلى الزبير رضي الله عنه؛ ليعذبه حتى يقر، ويبين المال؛ لأن التهمة قوية، والمتهم
إذا قامت عليه التهمة القوية وأنكر، فإنه يعزر؛ حتى يبين الصحيح.
فأخذه الزبير رضي
الله عنه وصار يعذبه، فلما رأى أن الزبير جاد في إمساكه حتى يقر، قال: قَدْ
رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي هذه الخربة -خربة من البنيان- فذهبوا، فوجدوا الذهب
في الخربة، فأخذه المسلمون، وانتقض عهد هؤلاء، الذين كتموا هذا المال انتقض عهدهم.
فالنبي صلى الله
عليه وسلم هم بإجلائهم وإلحاقهم بمن سبقهم من اليهود، فعرضوا عليه الصلح بأن يبقوا
مزارعين في خيبر؛ يكفون المسلمين مؤونة الزراعة والتعب بنصف الغلة.
النبي صلى الله عليه
وسلم عاقدهم على ذلك، وأبقاهم في خيبر؛ يزرعونها، ويدفعون للمسلمين نصف الغلة من
الزرع والثمر، فهذا دليل على مشروعية أو جواز الصلح مع الكفار.
وفي هذا دليل على جواز المزارعة والمساقاة؛ المساقاة على الشجر، والمزارعة على الأرض؛ يزرعونها بشطر ما يخرج منها، وفيه فوائد كثيرة لهذه القصة.