وفيها عقد الهدنة
من غير توقيت، بل متى شاء الإمام، ولم يجئ بعده ما ينسخه البتة،
*****
في هذه القصة من
الفقه جواز عقد الهدنة مع الكفار من غير توقيت، وتصح الهدنة بقوله: نقركم فيها ما
شئنا. فلا يشترط في الهدنة أن تحدد، ولكنه إذا أراد نقض الهدنة، فلابد أن يعلن هذا
لهم.
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن
قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ
ٱلۡخَآئِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]؛ أي: يعطيهم مهلة، ولا يفاجئهم بالنقض،
هذا لا يجوز، هذا ظلم، بل يعطيهم مهلة يتراجعون وينظمون أمورهم؛ «لاَ ضَرَرَ
وَلاَ ضِرَارَ» ([1])، دين الإسلام دين
العدل، حتى مع الأعداء.
قال سبحانه وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 8].
قوله: «بل ما شاء
الإمام»؛ أي: أن الإمام هو الذي يكون عنده النهاية، ولكن لا بد له من أن ينبذ
لهم على سواء؛ يبين لهم من قبل؛ يحدد هم مدة، قال تعالى: ﴿فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ﴾ [التوبة: 2]، الله عز وجل أعطى المشركين مهلة أربعة
أشهر؛ من أجل أن يتراجعوا، وينظموا أمورهم، ولا يفاجئهم على غرة.
لم يجئ بعد هذه
القصة ما ينسخها.
والشيخ رحمه الله لا يقتصر على السرد التاريخي في هذا الكتاب، وإنها يذكر الفقه في الأخبار والقصص والحوادث التي يسوقها، لذلك فإن كتاب «زاد المعاد» كتاب تاريخ وكتاب فقه معًا، يسمى هذا فقه السيرة، هذا فقه السيرة الصحيح.
([1]) أخرجه: ابن ماجة (2341)، وأحمد رقم (2865).