×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

 فِي جَسَدِهِ وَيُجْلِسَانِهِ، وَيَسأَلاَنِهِ مَنْ رَبُّكَ؟ مَا دِينُكَ؟ مَنْ نَبِيُّكَ؟»([1]) ثَلاَثَةُ أَسْئِلَةٍ، فَإِنْ أَجَابَ عنها بِجَوابٍ صحيحٍ نَجا وفَازَ وَأَفْلَحَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الجَوَابَ خَابَ وَخَسِرَ، وَضَلَّ سَعْيُهُ فِي الحيَاةِ الدنْيَا.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ جَاءَ المَلَكَانِ إِلَيْهِ فِي قَبْرِهِ ونحنُ لا نَراهُمَا؟

 الجَوَابُ: اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ غُيِّبَ عَنْكَ كَثِيرٌ مِنَ الأَمُور، فَالمَلَكَانِ يَأْتِيَانِهِ وأَنْتَ لا تَراهُمَا، وهلْ أَنْتَ تَرَى رُوحَكَ التِي تَدْخُلُ فِي جَسَدِكَ؟ هَلْ تَرَى كُلَّ شَيْءٍ؟ هُنَاكَ أَشْيَاءُ كثِيرَةٌ لا تَراهَا وَهِي مَوْجُودَةٌ هَلْ تَرَى العَقْلَ الّذِي يُميِّزُكَ على غَيْرِكَ؟ مَا كُلُّ شَيْءٍ لاَ تَرَاهُ لَيْسَ مَوْجُودًا، هَذَا كَلاَمُ المادِّيِينَ الطّبَائعِيِّينَ، أَمَّا أَهْلُ الإِيمَانِ فَإِنَّهُمْ يِتَّسِعُ إِيمَانُهُمْ لِكُلِّ ما ورَدَتْ بِه الأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، وَلاَ يَتَدَخَّلُونَ فِيهِ بِعُقُولِهِمْ.

فَالمَلَكَانِ يَأْتِيَانِهِ وَيُجْلِسَانِهِ وَيَسْتَنْطِقَانِهِ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ المؤْمِنُ: رَبِّيَ اللهُ، وَدِينِي الإِسْلامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فَيْنَادِي مُنَادٍ: «أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَوَسِّعُوا لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ»، فَيَأْتِيه مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيَرَى مَنْزِلَهُ فِي الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: «يَا رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ؛ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي»([2])، فَيَصِيرُ قَبْرُهُ رَوْضَةً مِنْ ريَاضِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كُنَّا لاَ نُشَاهِدُ هَذَا.


([1])  أخرجه: البخاري رقم (1338)، ومسلم رقم (2870).

([2])  أخرجه: أبو داود رقم (4753)، وأحمد رقم (18534)، والطيالسي رقم (789).