×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

 فدَلَّ هذا على أَنَّ هُنَاكَ دَارًا أُخْرَى يُجَازَى فِيها المحْسِنُ بِإِحْسَانِهِ وَالمُسِيءُ بِإِسَاءَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَعْثٌ لَصَارُوا كُلُّهُمْ سَواءً المحْسِنُ وَالمسِيءُ، وَالمؤْمِنُ وَالكَافِرُ، ليس هُنَاكَ فَرْقٌ فِي الدُّنْيَا، إِنَّما الفَرْقُ فِي الآخِرَةِ، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ *فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ *وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ [الروم: 14- 16]، وَقَالَ: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى: 7]، يَتفَرَّقُونَ فِي البَعْثِ، أَمَّا فِي الدُّنْيا فَهُم سَواءٌ، يِعِيشونَ كُلُّهُم، ورُبَّما يَكونُ الكَافِرُ أَحْسنَ حالاً مِنَ المُسْلِمِ مِن ناحيَةِ الثَّرْوةِ والمالِ والصِّحَّةِ وهُو كَافِرٌ، والمؤْمنُ يُبتلى ويجوعُ ويمْرَضُ وَيَعْرِضُ لَهُ الأَشْيَاءُ المؤْذِيَةُ ويموتُ على هذه الحَالِ؛ لأنَّ اللهَ ادَّخرَ لَهُ الجَزَاءَ فِي الآخرةِ، فَيُعْطِيه جَزاءَ عَملِه في الآخِرةِ، لا يُمكِنُ أَنْ يُضيِّعَ عَمَلَهُ أبدًا.

فهذه مِنْ أَدِلَّةِ البَعْثِ، وهي أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ قُرْآنِيَّةٌ على البَعْثِ، وَأَدِلَّةُ البَعْثِ كَثِيرَةٌ، لَكِنْ مَعَ هَذَا أَنْكَرَهُ الكُفَّارُ والمَلاَحِدَةُ، وَبَعْضُ النَّاسِ يُؤْمِنُ بِهِ لَكِنْ لاَ يَسْتَعِدُّ لَهُ فَكَأَنَّهُ يُنْكِرُهُ.

وَالمُرَادُ بِاليَوْمِ الآخِرِ: مَا بَعْدَ الموْتِ كُلُّهُ هُوَ اليَوْمُ الآخِرُ، فَإِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ وَفَاضَتْ رُوحُهُ دَخَلَ فِي اليَوْمِ الآخِرِ وَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيِا.

وَأَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّ الميتَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وسُوِّيَ عَلَيْهِ التُّرَابُ وَانْصرفَ عَنْهُ النَّاسُ«وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِم، يَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فتُعَادُ رُوحُهُ