×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

 الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ [الحج: 5- 7]، فَهَذَا شَاهِدٌ يَرَاهُ النَّاسُ وَلاَ يُنْكِرُونَهُ، مَنِ الَّذِي قَدَرَ عَلَى إِحْيَاءِ هَذَا النَّبَاتِ؟ وَمَنِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ هَذَا الحَبِّ اليَابِسِ الوَرَقَ وَالأَغْصَانَ وَالثِّمَارَ؟ هُوَ اللهُ سبحانه وتعالى، فإذا كان يَبْعَثُ هذا النَّباتَ بَعْدَ مَوْتِه، فَهُو قَادرٌ على أَنْ يَبْعَثَ مَنْ فِي القُبورِ، لا يُعْجِزُهُ شَيءٌ سبحانه وتعالى.

وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ بَعْثٌ وجَزاءٌ على الأَعْمَال لَكَانَ خَلَقَ الخَلْقَ عَبثًا، كَيْفَ يَخْلُقُهُمْ وَيَعْمَلُونَ الأَعْمالَ الصَّالِحَةَ أَوِ الأَعْمَالَ الكُفْرِيَّةَ ثُمَّ يَمُوتُونَ ويُترَكُونَ؟ هذا لا يَليقُ بعدْلِ اللهِ جل وعلا ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ *فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: 115- 116]، تَعَالَى اللهُ عَنْ هَذَا، فَاللهُ جل وعلا - لا بُدَّ أَنْ يَبْعَثَ النَّاسَ ويُمَيِّزَ المؤْمنِينَ مِنَ الكُفَّارِ، ويُجَازِيَ المؤْمِنَ بإِيمَانِهِ، وَيُجَازِيَ الكَافرَ بِكُفْرِهِ، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ *أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص: 27- 28]، كُلُّهُمْ يَمُوتُونَ ولا يُبْعَثُونَ ولا يُجَازُونَ عَلَى أَعْمَالِهمْ؟ حَاشَا وَكَلاَّ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ هَدَّدَ الكُفَّارَ وَالمشْرِكِينَ وَالعُصَاةَ بِأَنَّهُمْ سَيُرجَعُون إِلَى ربِّهم وَيُحَاسَبُونَ ويُجَازُون، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ البَعْثَ لا بُدَّ منهُ، وأَنَّه كَائنٌ لا محالةَ، والدُّنْيا دَارُ عمَلٍ، والآخِرةُ دَارُ جَزاءٍ، هذه حكْمَةُ اللهِ سبحانه وتعالى.