×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

 ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كما أنَّهُم عاشُوا على القَوْلِ الثَّابتِ في الدُّنْيا، والإيمانِ الصَّادقِ فإنَّ اللهَ يُثبِّتُهم في القبرِ وعندَ السُّؤالِ، ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ فلا يستطيعون الإجابَةَ، والأحاديثُ في هذا مُتواتِرَةٌ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأهلُ السُّنَّةِ والجماعَةُ مُجمِعُون عليه، ولمْ يُنكِرْه إلاَّ المُعتزلَةُ الَّذين يَعتَمِدون على عُقُولِهِم، والعقلانيُّون الآنَ الَّذين هُم أفراخُ المعتزِلةِ وهُم على هذا المَذهَبِ.

وهذا الَّذي يُلاقِيه في القَبرِ أوَّلَ اليومِ الآخرِ، فإذا نَجا الإنسانُ مِن القبرِ فمَا بعدَه أيسرُ منْه، وإن لم يَنجُ فمَا بَعدَهُ أشدُّ منهُ، فأوَّلُ بوَّابةٍ لليَوْمِ الآخرِ هو القبْرُ، والدُّورُ ثلاثٌ - كما هوَ مَعلومٌ -:

* دارُ الدُّنيا، وهيَ دارُ عمَلٍ.

* دارُ البَرزخِ، وهو القَبرُ، وهوَ دارُ انتِظارٍ.

* ودارُ القرارِ، وهيَ الدَّارُ الآخرةُ ﴿وَإِنَّ الآخِرَةِ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر: 39]، فيَستقرُّ النَّاسُ فيها إلى الأبد، في الجنَّةِ أو في النَّارِ.

فالآخرَةُ تبدأُ منَ المَوتِ، وأوَّلُ ما يكونُ فيها عَذابُ القَبرِ أو نَعيمُ القبرِ، فالقَبرُ فاصِلٌ بينَ الدُّنيا وبينَ الآخِرةِ، وهوَ مَحطَّةُ انتِظارٍ؛ ولذلكَ سُمِّي بالبَرزخِ؛ لأنَّ البَرزخَ هو الفاصِلُ بينَ الشَّيئَيْنِ.

وكذلكَ مِن الإيمانِ باليَومِ الآخرِ الإيمانُ بأنَّ اللهَ يَبعَثُ هذهِ الأجسامَ مِن قُبورِها، فتقومُ لرَبِّ العالَمينَ مُتكامِلَةَ الخِلقَةِ، كما كانوا في الدُّنيا مُتكامِلي الخِلْقَة لا يَضيعُ منها شَيءٌ، فإذا نَفخَ إسرافيلُ في الصُّورِ النَّفخةَ الثّانيَةَ طارتِ الأرْواحُ منَ الصُّورِ - وهوَ القَرنُ - ودَخلتْ كلُّ رُوحٍ في