جِسْمِها ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى
فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: 68]، ثمّ يُؤْمَرُون
بالمَسيرِ إلى المَحشَرِ، ﴿يَوْمَ
يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ [المعارج: 43] يعني بسُرعَةٍ، فلا
يَتخلَّفُ أحدٌ أو يَختَفي أحدٌ، كلُّهم يَسيرون إلى المَحشَرِ، يقُومون مِن قُبورِهم
ويُساقُون إلى المَحشَرِ، فيُحشَرُون فيه، ويَقِفُون فيه على أقدامِهم مِن أوَّلِ
الخَلقِ إلى آخِرِهم في مَوقِفٍ واحِدٍ، حُفاةً عُراةً غُرْلاً، حُفاةً: ليسَ
عَليهم نِعالٌ، عُراةً: لَيس عليهِم ثِيابٌ، غُرْلاً: غيرَ مَختُونين([1])، فيُحشرون في
المَحشَرِ بمِقدارِ خمسينَ ألفِ سَنةٍ وهُم وُقوفُ على أقدامِهم، يَنتَظِرون مَاذا
يُفعَلُ بهِم، أمَّا المُؤمنُ فلا يُحِسُّ بهذه المَشقَّةِ، وإنَّما الَّذي يُحسُّ
بمَشقّةِ الحَشرِ هوَ الكافِرُ، قال تعالى: ﴿وَكَانَ
يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: 26]، وقال: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي
النَّاقُورِ *فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ *عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ
يَسِيرٍ ﴾ [المدثر: 8- 10].
ثمّ يَنصَرِفُون منَ المَحشرِ - بعدَ هذِه المُدَّةِ الطَّويلةِ - إلى الحِسابِ، يُحاسَبُون على أعمَالِهم، لا يُترَكُ منها شَيءٌ، يُوقَفُون عليها ويُحَاسَبُون عليها، ويُقَرَّرُون بها، وهُناك مَن لا يُحاسَبُ فيَدخلُ الجنَّةَ بغَيرِ حسابٍ، كما في حديثِ السَّبعينَ ألْفًا الَّذينَ يَدخُلُون الجنَّةَ بلا حِسابٍ ولا عذابٍ([2])، ومِنهم مَن يحاسب حِسابًا يَسيرًا وهوَ العَرْضُ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا *وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴾ [الانشقاق: 8- 9]، ومنهم من يُناقَشُ الحِسابَ، قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ»([3]).
([1]) كما جاء في الحديث الذي أخرجه: البخاري رقم (3349)، ومسلم رقم (2860).