×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

وهذهِ الأصنافُ الثَّلاثةُ في حقِّ المُؤمنينَ، فالمُؤمنُ يُحاسَبُ حسابَ مُوَزانَةٍ بينَ حسناتِه وسيِّئاتِه، أمَّا الكافرُ فلا يُحاسَبُ حسابَ مُوزانةٍ؛ لأنَّه ليسَ له حَسناتٌ، ولكنَّه يُحاسَبُ حسابَ تَقريرٍ، يُقرَّرُ بأعمالِه حتَّى يَعترِفَ بها.

ثمَّ بعدَ ذلكَ المَوازينُ، فتُوزَنُ الأعمالُ - الحسناتُ والسَّيِّئاتُ - بمِيزانٍ حقيقيٍّ له كِفَّتانِ»، تُوضَعُ الحَسناتُ في كِفَّةٍ والسَّيِّئاتُ في كِفَّةٍ، قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون: 102- 103]، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ *فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ *وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ *فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ [القارعة: 6- 9]، يعني: مَوازينَ أعمالِه، فتُوضَعُ حسناتُه في كِفَّةٍ وسيِّئَاتُه في كِفَّةٍ، فأيُّهما رَجَحَ فإنَّه يأخُذُ جزاءَه بمُوجِبِ ذلكَ مِن رُجْحانِ الحسناتِ أو رُجْحانِ السَّيِّئاتِ، وهذا مِن عَدْلِ اللهِ أنَّه لا يَظْلِمُ أحدًا، بل يُجازِي الإنسانَ بعَمَلِه.

وهوَ مِيزانٌ حقيقيٌّ، والمعتزلةُ يقولونَ: إنَّه مِيزانٌ غيرُ حقيقيٍّ، وإنَّما مَعناهُ إقامَةُ العدْلِ، فهوَ مِيزانٌ مَعنويٌّ معناهُ العدلُ بينَ العِبادِ. وليسَ لهم دَليلٌ إلاَّ عُقولُهم، فهم يُنكِرُونه لأنَّهم لم يَرَوُا المِيزانَ، وهُم لا يُؤمِنونَ بالغَيبِ، وهذهِ آفَةُ الاعتمادِ على العُقولِ؛ لأنَّ المُؤمنَ لا يَعتمِدُ على عَقْلِه في كلِّ شَيءٍ، والعَقلُ دليلٌ ولكن لا يكونُ هو كلَّ شَيءٍ، هناكَ أشياءُ لا يُدْرِكُها العقلُ، فالأمورُ المُغيَّبةُ لا يُدرِكُها العقلُ فلا تَحكّمَ عقْلَكَ فيها، وإنَّما يُعتَمَدُ فيها على الدَّليلِ فقَط، فهذا وَجهُ إنكارِهم لهُ،