×
شرح مناسك الحج والعمرة على ضوء الكتاب والسنة

 وإلا فإنه يشير إليه من بعيد، ويمشي حتى يُكمل سبعة أشواط، ولاَ بُدَّ أن يكون الطَّوَافُ بالكعبة كلها، فلو أَنَّهُ اخترق الحِجْرَ -أي الحَطِيم- فدخل من الباب الشرقي للحِجْر، وخرج من الباب الغربيِّ، لم يَصِحَّ شَوْطُهُ؛ لأن الحِجْر أغلبه من الكعبة؛ ولذلك حُوِّط عَلَيْهِ بالجدار لِيُطافَ به لأنه من الكعبة.

والحطيم: هو مَا نقص من بناء الكعبة عن قَوَاعِدِ إبراهيم، سُمِّيَ حَطِيمًا لأنَّه احتطم منها، ويُسمَّى بالحِجْرِ؛ لأنه محاط بالجدار، والسبب فِي أَنَّهُ لم يُبَيَّن: أن قُرَيْشًا قبل بَعْثَةِ النبي لما انهدم البيت، فأرادوا بناءه، وكانوا لا يَبْنُونَهُ إلاَّ بمال حلال، فلَمَّا جَمَعُوا مَا عندهم من المال الحلال، رأوا أَنَّهُ لا يكفي لبناء البيت كاملاً، فقَصَرُوهُ من الناحية الشمالية، وأقاموه عَلَى هذا الشكل الموجود الآن، ويُسمُّونه [حِجْر إسماعيل]؛ ولا أدري مَا سَبَبُ نِسبَتِهِ إلى إسماعيل إلاَّ إن كَانَ بناءً عَلَى الخُرَافة القائلة: إن إسماعيلَ مدفونٌ فيه هو وجماعةٌ من الأنبياء، وهذا قولٌ باطلٌ؛ لأنه إنما سُمِّيَ الحِجْر لأنه من الكعبة، فَحُوِّط عَلَيْهِ بالجدار ليتجنَّبَ الناسُ الطَّوَافَ من وَسَطِهِ؛ لأن مَنْ طَافَ من داخل الحِجْر، واخترق الحِجْرَ، لم يَطُفْ بالكعبة طوافًا كاملاً، وإنما طَافَ عَلَى بعضها، فيُتنبَّه لذلك.

ولَمَّا فَتَحَ النبيُّ مكَّةَ وصارت تحت ولايته، فصار هو الَّذِي يتولَّى شؤونَ المسجد الحرام، ولم يُعِدِ الكعبة عَلَى قواعد إبراهيم؛ لأنه خَشِيَ من الفتنة، فلو أَنَّهُ بنى الكعبة عَلَى قواعد إبراهيم، ربما تَحْصُلُ فتنةٌ بين الناس، ويقولون: غيَّرَ الكعبةَ؛ لأنهم حديثو عهد بالإسلام، وربما يَحْصُلُ منهم شَرٌّ، ودَرْءُ المفاسدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المصالحِ،