وهذه قاعدةٌ، وهي قاعدةُ سَدِّ الذرائعِ؛
فالرسول تَرَكَ إعادةَ البيتِ عَلَى قواعد إبراهيم خشيةً من وقوع الفتنة التي يمكن
أن تَثُور، وقال لعائشة: «لَوْلاَ حَدَاثَةُ عَهْدِ قَوْمِكِ بِكُفْرٍ،
لَهَدَمْتُ الْكَعْبَةَ وَأَعَدْتُهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ» ([1])، فبيَّنَ السببَ
الَّذِي مَنَعَهُ من إعادة الكعبة عَلَى قواعد إبراهيم أَنَّهُ خَوْف الفتنةِ،
فتَرَكَها النبيُّ عَلَى وَضْعِهَا.
ولمَّا جاء ابنُ
الزبيرِ، واستولى عَلَى مكة هَدَمَ الكعبةَ، وأعادها عَلَى قواعد إبراهيم عليه
السلام، وحقَّقَ أمنيةَ الرسول صلى الله عليه وسلم فِي قوله: «لَوْلاَ أَنَّ
قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَوْ بِجَاهِلِيَّةٍ» ([2])، ولمَّا قُتِلَ
ابنُ الزبيرِ، وجاء وَقْتُ الأمويين فِي عهد عبد الملك بن مروان، أَمَرَ الحجاجُ
بنُ يوسفَ، فهَدَمَ بناءَ ابنِ الزبيرِ للكعبة وأَعَادَهَا عَلَى هذا الوضع
الموجود الآن.
فلمَّا جاء عهدُ
العباسيين بَعْدَ بني أمية، أراد أبو جعفرٍ المنصورُ أن يُعِيدَ الكعبةَ عَلَى
قواعد إبراهيم كَمَا فَعَلَ ابنُ الزبيرِ، فمَنَعَهُ الإمامُ مالكٌ رحمه الله، وقال:
«لاَ تَكُونُ الْكَعْبَةُ أُلْعُوبَةً فِي أيدي الملوكِ»؛ فبَقِيَتْ والحمد لله،
والخيرُ فِي الواقعِ، وكُلُّها - ولله الحمد - البيتُ، سواءٌ المبنيُّ أو غيرُ
المبنيِّ، كله هو البيت العتيق، والطَّوَاف به كلُّه طوافٌ بِالْبَيْتِ مَا بُنِيَ
مِنْهُ وما لم يُبْنَ.
والغرضُ مِنْهُ التنبيهُ عَلَى هَذِهِ المسألةِ وهو: بيانُ أنَّ الطَّوَافَ يكون بِالْبَيْتِ كُلِّهِ من وراء الحائط الَّذِي عَلَى الحَطِيمِ، ولا يُخْتَرق مِثْلَمَا يفعل بعضُ الجُهَّالِ، فهذا يُبْطِلُ الشَّوْطَ الَّذِي حصل فيه، فالله عز وجل يقول: ﴿وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] فالذي يخترق الحَطِيمَ لم يَطَّوَّفْ
([1])أخرجه: مسلم رقم (1333).