وقد بَلَّغَ
البَلاَغَ المُبِينَ، ودَلَّ أُمَّتَهُ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، وحَذَّرَهُمْ مِنْ
كُلِّ شَرٍّ، كيف وقد حَذَّرَ مِنْ شَدِّ الرَّحْلِ لِغَيْرِ المساجَدِ الثلاثَةِ،
وقال: «لاَ تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا وَلاَ بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا
عَلِيَّ؛ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» ([1])، والقَوْلُ
بِشَرْعِيَّةِ شَدِّ الرِّحَالِ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ يُفْضِي إلى اتِّخاذِهِ
عِيدًا، ووَقَعَ المَحْذُورُ الَّذِي خَافَهُ النبيُّ مِنَ الْغُلُوِّ والإطراءِ؛
كَمَا قد وَقَعَ الكثيرُ من الناسِ فِي ذَلِكَ بسَبَبِ اعتقادِهِم شَرْعِيَّةَ
شَدِّ الرِّحالِ لزيارةِ قَبْرِهِ.
وأَمَّا مَا يُرْوَى
فِي هذا البابِ من الأحاديثِ التي يَحْتَجُّ بها مَنْ قَالَ بشرعيَّةِ شَدِّ
الرِّحَالِ إلى قَبْرِهِ، فهي أحاديثُ ضَعِيفَةُ الأسانيدِ، بل مَوْضُوعَةٌ؛ كَمَا
قد نَبَّهَ عَلَى ضَعْفِهَا الحُفَّاظُ؛ كالدارقطني، والبيهقي، والحافظ ابن حجر،
وغيرهم، فلا يَجُوز أن يُعارَض بها الأحاديثُ الصحيحةُ الدالَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ
شَدِّ الرِّحالِ لغير المساجدِ الثلاثةِ.
وإليك أيها القارئُ
شيئًا من الأحاديثِ الموضوعةِ فِي هذا البابِ؛ لتعرفها، وتُحذِّر من الاغترارِ
بها:
الأول: «مَنْ حجَّ ولم
يَزُرْني، فقد جَفَاني».
والثاني: «مَنْ زارني
بَعْدَ مَمَاتِي، فكأنَّما زارني فِي حَيَاتِي».
والثالث: «مَنْ زارني
وزارَ أَبِي إبراهيمَ فِي عامٍ واحدٍ، ضَمَنْتُ له عَلَى اللهِ الْجَنَّةَ».
والرابع: «مَنْ زار
قَبْرِي، وَجَبَتْ له شَفَاعَتِي».
فهذه الأحاديثُ وأشباهُهَا لم يَثْبُتْ منها شيءٌ عن النبيِّ.
([1])أخرجه: أبو داود رقم (2042)، وأحمد رقم (8804)، وأبو يعلى رقم (469).