×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

 مَكتوبةٌ قبلَ أن تُخْلَقَ، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ *لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 22- 23]، فلا تَحزَنْ على ما فاتَ وما نَقَصَ من مَالِكَ أو أولادِكَ أو ممَّا تُحبُّ، ولا تَفرحْ فَرَحَ الأشرِ والبَطَرِ والكِبرِ بما آتاكَ اللهُ منَ المالِ، أمَّا الفَرحُ بِفضْلِ اللهِ، فهَذا مَحمودٌ، تَشكُرُ اللهَ وتَفرَحُ بما أعطاكَ اللهُ، لكنَّ فرَحَ الأشَرِ والبَطرِ هذا هو المَمنُوعُ، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: 76]، ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ [الرعد: 26]، فالفَرحُ على قِسْميْنِ:

فرحٌ مَذمومٌ، وهوَ فَرحُ الكِبرِ والبَطرِ والأشَرِ.

وفرحٌ مَحمودٌ، وهوَ الفَرحُ بفَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِه، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: 58].

وإذا آمَنَ الإنسانُ بالقَضاءِ والقَدرِ استَراحَ، فلا يَحزَنُ على ما فاتَ ولا يَفرحُ بما أُعطِيَ فَرحًا يُخرِجُه عنِ الاعتِدالِ، أمَّا الَّذي لا يُؤمِنُ بالقَضاءِ والقَدرِ فإنَّه يَجزَعُ ويَسخَطُ إذا فاتَه شَيءٌ، ويتكلَّمُ بكلامٍ قَبيحٍ، أو يَفعلُ فِعْلاً قَبيحًا؛ كلَطْمِ الخُدودِ، وشَقِّ الجُيوبِ، ودَعوَى الجاهِليّةِ عندَ المَصائبِ؛ لأنَّه لا يُؤمِنُ بالقَضاءِ والقدرِ، وليس برَادِّ ما فاتَه ولو جَزَعَ، ولو سَخِطَ، ولو لَطَمَ خدَّه، وشَقَّ جَيبَه، فلن يُعيدَ ما فاتَه، لكنْ تَحصُلُ عليهِ المُصيبةُ، ويَفوتُه الأجْرُ أيضًا، أمَّا الَّذي يُؤمنُ بالقَضاءِ والقَدرِ، ويَصبرُ على ما أصابَهُ، ويَعلَمُ أنَّه مِن عندِ اللهِ، وأنَّ ما شاءَ اللهُ