×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

كانَ، وما لم يَشأْ لم يَكنْ، فإنَّه يَستريحُ.

وكذلكَ مَن لا يُؤمنُ بالقَضاءِ والقَدرِ يُصَبْ بالجُبْنِ والخَوفِ، فلا يُجاهِدُ في سبيلِ اللهِ، ولا يَطلبُ الرِّزقَ؛ لأنَّه يَخافُ من كلِّ شيءٍ، فيَنحبسُ عنِ الأعمالِ مِن الخَوفِ، أمَّا إذا آمَنَ بالقَضاءِ والقَدرِ فإنَّه يَمْضي في الجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، ويَمضي في طلبِ الرِّزقِ، ويَكِلُ الأمورَ إلى اللهِ جل وعلا، وقد جاءَ في الحَديثِ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُْمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، و لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الأَْقْلاَمُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ»([1])

فالإيمانُ بالقَضاءِ والقَدرِ يُكسِبُ الإنسانَ قُوَّةَ العَزيمةِ، وقُوَّةَ الإيمانِ، والتَّوكُّلَ علَى اللهِ سبحانه وتعالى، وعدَمُ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدرِ يُؤدِّي بالإنسانِ إلى الجَزَعِ والسَّخَطِ عندَ المَصائبِ، وأيضًا يُعَرْقِلُه عن كَثيرٍ مِنَ الأعمالِ، فيُصابُ بالتَّردُّدِ والأوهامِ والوَساوُسِ، فلا يُقدِمُ على شَيءٍ خَوفًا مِن أن يَكونَ كذا أو يَكونَ كذا، ويَترُكَ الأمورَ النَّافعةَ خَوفًا مِن أن يُصيبَه كَذا وكَذا؛ لأنَّه لا يُؤمِنُ بالقَضاءِ والقَدرِ، فما قَضاهُ اللهُ وقدَّرهُ لا بُدَّ أن يَحصُلَ سواءً خرجَتْ أو لم تَخرُجْ، سواءً فَعلْتَ أو لم تَفعَلْ، فتَعتصِمُ باللهِ، وتَتوكَّلُ على اللهِ، وتَترُكُ القَضاءَ والقَدرَ للهِ سبحانه وتعالى، وإذا أصابَكَ شَيءٍ لا تَجزعُ؛ ولهَذا قالَ صلى الله عليه وسلم: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ


([1])  أخرجه: الترمذي رقم (2516)، وأحمد رقم (2669)، وأبو يعلى رقم (2556).