×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

وَلاَ تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ، كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» وفي رِوايَةٍ: «قَدَّرَ اللَّهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ»([1])، فإذا بَذلْتَ السبَبَ ولم يَحصُلِ المَقصودُ فاعْلَمْ أنَّ اللهَ لم يُرِدْه، وأنتَ لا تَدري ربَّما أنَّ الخِيرَةَ في عدَمِ حُصولِه، واللهُ جل وعلا حكيمٌ، فأنتَ تُؤمِنُ باللهِ وبقَضائِه وقَدَرِه وتَصبِرُ على المَصائِبِ. كذلك لا يُصيبُكَ الأشَرُ والبَطرُ عندَ النِّعمِ، وتتَّزِنُ في أُمورِك، وترتاحُ في ضَميرِك، وتَعيشُ في هذهِ الدُّنْيا عيشَةَ المُؤْمنِ المُتوكِّلِ على اللهِ المُفوِّضِ أمْرَهُ إلى اللهِ عز وجل، وتَعملُ وتُنتِجُ، وتُجاهِدُ؛ لأنَّك تُؤمِنُ بالقَضاءِ والقَدرِ، وتُؤمِنُ أنَّه لا يَحصُلُ شَيءٌ إلاَّ بسببٍ، ولا تُعطِّلُ الأسبابَ، ولكن لا تَعتمِدُ على الأسْبابِ، اجْمَعْ بينَ الأمرَيْنِ: الإيمانِ بالقَضاءِ والقدرِ، وفعلِ الأسبابِ معَ التَّوكُّلِ على اللهِ سبحانه وتعالى.

فهذِه صِفةُ المُؤمنِ، وهذا هوَ الإيمانُ بالقَضاءِ والقَدرِ، فإنَّ الإيمانَ بالقَضاءِ والقَدرِ يُفيدُ الإنسانَ في هذهِ الحياةِ، ويُذهِبُ عنهُ الخَوفَ والوَساوِسَ، والهُمومَ، وعدمَ الإيمانِ بالقَضاءِ والقدرِ يُصيبُ الإنسانَ بالخَوَرِ والضَّعفِ والوَساوسِ والأوهامِ، وكلُّ شَيءٍ يُخيفُه، فهذا نَتيجةُ عدمِ الإيمانِ بالقَضاءِ والقَدرِ.

ويَجبُ على العَبدِ المُؤمنِ معَ إيمانِه بالقَضاءِ والقَدرِ أن يُؤمِنَ بأنَّ العِبادَ لهم أفعالٌ يَفعلُونها باختِيارِهم، لَيسوا مُجْبَرين عليها، فهُو يُؤمِنُ أو يَكفُرُ، أو يُصلِّي أو يَترُك، أو يَصومُ أو يُفطرُ، هو الَّذي يَفعلُ هذا،


([1])  أخرجه: مسلم رقم (2664).