×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

 فيُثابُ على الطَّاعاتِ ويُعاقَبُ على المَعاصي؛ لأنَّها أفعالُه، فهُو لا يُعاقَبُ على القَضاءِ والقدرِ إنَّما يُعاقَبُ على أفعالِه هوَ الَّتي يَفعَلُها باختِيارِه وإرادَتِه، فهُو يَقدِرُ على أن يقومَ ليُصلِّيَ الفَجرَ ويَقدِرُ أن يَنامَ ويَترُكَ صلاةَ الفَجرِ، يَقدرُ أن يصومَ رَمضانَ، ويَقدرُ أن يَترُكَ صيامَ رمضانَ، ويَقدرُ أن يَمنعَ نَفْسَه منَ الفَواحِشِ، ويَقدرُ أن يَترُكَ نفْسَه معَ الفواحِشِ، كلُّ شيءٍ هو يَقدِرُ عليه بِمَشيئَتِه وإرادَتِه، واللهُ أعطاهُ الإرادَةَ، وأعطاهُ المَشيئَةَ، وأعطاهُ الاختِيارَ أن يَفعَلَ أو لا يَفعَلَ؛ ولذلكَ المُكرهُ ليس عليهِ شَيءٌ؛ لأنَّه ليسَ له اختِيارٌ، وكذلكَ المَجنونُ ليسَ عليه شَيءٌ؛ لأنَّه لَيس له اختِيارٌ؛ كذلكَ الصَّبيُّ الَّذي لم يَبلُغْ ليس عليه شَيءٌ؛ لأنَّه ليسَ له اختِيارٌ حتَّى يَبلُغَ.

فلا بُدَّ منَ الإيمانِ بهذا أنَّه معَ الإيمانِ بالقضاءِ والقدرِ نُؤمِنُ بأنَّ العِبادَ لهم أفعالٌ ولهم إرادةٌ ولهم مَشيئةٌ، لا كَما تقُولُه الجَبريَّةُ: إنَّ العبادَ مَجْبُرون ومُحرَّكُون فقط ليس لهم اختِيارٌ، ولا كَما تقُولُه المُعتزلةُ: إنَّ اللهَ ليسَ له قَضاءٌ وقدرٌ، وإنَّما العِبادُ يَستَقِلُّون بأفعَالِهم، وهم الَّذين يَخْلُقون أفعالَهم بقُدْرَتِهم ليس بإرادَةِ اللهِ، ولا بِقضاءِ اللهِ وقَدَرِه. فالمُعتزلةُ والجَبريَّةُ على طَرَفَي نَقِيضٍ، أمَّا أهلُ السُّنَّةِ والجماعَةِ فهُم مُعْتدِلُون في هذا، يقولونَ: اللهُ جل وعلا قدَّرَ الأشياءَ، ولكنَّه أعْطَى العِبادَ الاختِيارَ والمَشيئةَ والإرادَةَ والقُدرَةَ على الفِعلِ أو التَّرك. قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى *فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى *وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: 4- 10]،