×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

وهذا فيه ردٌّ على الجَبْريَّةِ الَّذين يَنفُون أفعالَ العِبادِ واختِيارِهم، وما عليه أهْلُ السُّنَّةِ والجماعةِ هو مُقْتضى القُرآنِ والسُّنَّةِ، وهوَ الاعتِدالُ بينَ الجَبريَّةِ والقَدريَّةِ.

فلا بُدَّ منَ الإيمانِ بالقَدرِ بجَميعِ هذهِ المَراتِبِ، فمَن زَعمَ أنَّه لا قدَرَ، وأنَّ العِبادَ هُم الَّذينَ يَخلُقون أفعالَهم دُونَ قدَرِ اللهِ كالمُعتزلةِ، فهذا إن كانَ مُتبَنِّيًا لهذا الرَّأيِ وهُو يعْلَمُ الأدلَّةَ، ولكنَّه يُنكِرُها ويأخُذُ برَأيِه، فهذا كافِرٌ بلا شَكٍّ، أمَّا إن كانَ مقلِّدًا أو جاهِلاً فهذا يُبَيَّنُ له، فإنْ أَصرَّ على الكُفرِ بالقَدرِ فإنَّه يُحكَمُ بكُفْرِه، لكن إن كانَ جَاهِلاً أو كان مُقلِّدًا فهذا لا يُكفَّرُ مِن أوَّلِ الأمرِ، وإنَّما يُبيَّنُ له ويُشرَحُ له الأمْرُ، فإنْ رجَعَ فالحمدُ للهِ، وإن أصرَّ فإنَّه يكونُ كافِرًا.

ولا يَكفِي أن تُؤمِنَ بالقَضاءِ والقَدرِ، بل لا بُدَّ أن تَعمَلَ ولا تَتَّكِلَ على القضاءِ والقَدرِ، وتقولُ: إنْ قدَّرَ اللهُ لي فسَيحصُلُ وإن لمْ يُقدِّرْهُ فإنَّه لا يَحصلُ ولا حاجةَ إلى العَملِ، كمَا يقُولُه الجبريَّةُ، فهذا باطِلٌ؛ لأنَّ اللهَ أمرَ باتِّخاذِ الأسبابِ، وأمَرَ بالعملِ، وأمرَ بالسَّعْي في طاعةِ اللهِ، ولا يَتَّكلُ الإنسانُ على القَضاءِ والقَدرِ، وإنَّما يَعمُل ويَتحرَّكُ ويَطلُبُ الخَيرَ ويَترُكُ الشَّرَّ، وهو لا يُجازَى عنِ القَضاءِ والقدرِ، وإنَّما يُجازَى على عمَلِه، وعلى كدِّهِ وكسْبِه، وعلى إرادَتِه ونِيَّتِه وقَصدِه، فهو يُحاسَبُ على أعمَالِه، ويُجازَى على أعمالِه، فإن كانتْ خَيرًا فخَيرٌ، وإن كانتْ شرًّا فشرٌّ.