×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

والمعتزلَةُ جاءوا بطَريقَةٍ جديدةٍ، فقالُوا: لا نقولُ إنَّ مُرتَكِبَ «الكبيرةِ» مُؤمِنٌ، ولا نقولُ: إنَّه كافِرٌ، بل هو في مَنزِلةٍ بينَ المَنزِلَتيْنِ. فمِن أُصولِ مَذهَبِهم: المَنزلةُ بينَ المَنزلَتَيْنِ، أمَّا إذا ماتَ ولم يَتُبْ فهم مِثْلُ الخوارجِ يقولونَ: مُخلَّدٌ في النَّارِ.

فيَجتَمِعون معَ الخَوارجِ في عُقوبَتِه في الآخرةِ وأنَّه مُخلَّدٌ في النَّارِ، وأمَّا الدُّنيا فأحْدَثوا لهم مَذْهبًا ليسَ هو مَذهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ والجماعَةِ، وليس هوَ مذهبَ الخَوارجِ، وليسَ هو مَذهبَ المُرجئَةِ أيضًا، فيقولونَ: هو لَيس بمُؤمنٍ ولا كافرٍ. هل هُناكَ مَن ليسَ بمُؤمِنٍ ولا كافِرٍ؟ يُمكِنُ هذا في المَجنونِ والصَّغيرِ، أمَّا البالِغُ العاقِلُ فإمَّا أن يكونَ مُؤمنًا، وإمَّا أن يكونَ كافِرًا، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: 2]، ولم يقُلْ: ومِنكم مَن هُو لَيس بكافِرٍ ولا مُؤمِنُ، فهذا قَوْلٌ مُبتدَعٌ ولا أصْلَ له، ولكنْ هذا هو الضَّلالُ، فمَن تَرَكَ الحقَّ فإنَّه يُبتَلَى بالمُتَناقِضَاتِ، ويُبتَلَى بالباطِلِ، ويَهيمُ على وَجْهِه مِن غَيرِ دَليلٍ.

فهَذه أمورٌ لا بُدَّ مِن مَعرِفَتِها؛ لأّنَّها مَحطُّ الجِدالِ والكلامِ بَينَ أهلِ السُّنَّةِ وبينَ مُخالِفِيهم مِن أهْلِ البِدعِ: الخوارجِ والمُرجئةِ والمعتزلةِ، وغيرِهم.

ثمَّ إنَّ جِبريلَ عليه السلام قالَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أَخْبِرْنِي عَنْ الإِْحْسَانِ»، والإحسانُ هوَ المَرتَبةُ العُلْيَا، ومعنى الإحسانِ: إتقانُ الشَّيءِ، وإتْمامُه، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ [السجدة: 7]، وإحسانُ العَملِ إتْمامُه وإتْقانُه، وإحْسانُ الصَّنْعَةِ إتْمامُها وإتْقانُها؛ ولهَذا يقولونَ: أنتَ