فيه أبدًا، فالإحسانُ أن تَعْبُدَ اللهَ جل وعلا
كأنَّك تُشاهِدُه بِعَيْنِك مِن قُوَّةِ إيمانِك ويَقينِك، وإلاَّ فإنَّ اللهَ لا
يُرَى في هذهِ الدُّنْيا؛ لأنَّ الخَلْقَ لا يستطيعونَ رُؤيَةَ اللهِ في هذهِ
الدُّنيا، وإنَّما يَراهُ المُؤمنونَ يَومَ القِيامةِ في الجنَّةِ إذا أعطاهم الله
قوّةً يستطيعون بها أن يروا ربّهم، أمّا في هذه الدّنيا فلا أحدَ يَرى اللهَ مُعايَنةً،
إنَّما يَراهُ بقَلْبِه وإيمانِه ويَقينِه كأنَّه يُشاهِدُه.
لهذا لمَّا سألَ موسى عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ ﴾[الأعراف:143]، قال الله له: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ يعني: في الدُّنيا؛ لأنَّ مُوسى عليه السلام لا يستطيعُ رُؤيةَ اللهِ في هذهِ الدُّنيا، ولا أحدَ يَستطيعُ رؤيةَ اللهِ في هذهِ الدُّنيا لعَظمَتِه سبحانه وتعالى؛ لأنَّه احتجَبَ عن عِبادِه بالنُّورِ، كما في الحدِيثِ: «حِجَابُهُ النُّورُ»([1])، فلا أحدَ يَرى اللهَ في هذهِ الدُّنيا، وإنَّما دلَّتِ الأدلَّةُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ على أنَّ المؤمنينَ يُكرِمُهم اللهُ يومَ القِيامةِ؛ فكَما أنَّهم عَبدُوه في هذهِ الدُّنْيا مِن غيرِ رُؤيَةٍ له، وإنَّما آمَنوا به، فإنَّ اللهَ يُقرُّ عُيونَهم بأن يَتجلَّى لهم ويَروْنَه عَيانًا بأبصارِهم سبحانه وتعالى، أمَّا الكفَّارُ لمَّا لم يُؤمِنوا باللهِ في هذهِ الدُّنيا فإنَّ اللهَ يَحجُبُهم عن رؤيَتِه يومَ القيامَةِ، قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]، فإذا كان الكفَّارُ يُحجَبُون عنِ اللهِ في الآخرَةِ، فإنَّ المُؤمنينَ يَرَوْن رَبَّهم سبحانه وتعالى؛ كما تَواتَرَتْ بهذَا الأدلَّةِ، فقَوْلُه: «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» هذا دليلٌ على أنَّه لا يُرى في الدُّنيا مُعاينةً، وإنَّما يُرَى في القلبِ واليَقينِ والإيمانِ الَّذي لا يُخالِطُه شكٌّ، وهذه أعلى المَراتبِ.
([1]) أخرجه: مسلم رقم (179).