×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

وبعدَها مَرتبَةٌ قالَ فيها صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ» يعني: لم تَصِلْ إلى هذهِ الدَّرجةِ منَ اليَقينِ «فَإِنَّهُ يَرَاكَ» أي: تُؤمِنُ باطِّلاعِ اللهِ عَليكَ، وهذهِ أقلُّ منَ الأُولى، لكنَّها درجةٌ عاليةٌ، فتعبُده مُؤمِنًا بأنَّه يَطَّلعُ عليك، ويراكَ في جميعِ تصرُّفاتِك، «فَإِنَّهُ يَرَاكَ» يعني: اعتَقِدْ بقَلْبِك واستَحْضِرْ أنَّ اللهَ يَراك ويَطِّلعُ عليك، وهذهِ مَرتبةٌ عظيمةٌ ولا شكَّ، وهي تُسمَّى: مَرتبة المُراقبة - مراقبَة اللهِ جل وعلا ولكنَّها أقلُّ من الأولى، فالإحسانُ بينَ العَبدِ وبَينَ ربِّه هو ما بيَّنه الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديثِ؛ أنَّ المُؤمنَ يَعبُدُ اللهَ على اليَقينِ والإِيمانِ، إمَّا اليقينُ الَّذي يَجعلُ العبدَ كأنَّه يَرى اللهَ، أو اليَقينُ الذي يَستحضِرُ به العَبدُ أنَّ اللهَ مُطَّلعٌ عليه ومُشاهِدٌ لأعمالِه، فلا يَنحرِفُ عن طاعَتِه، وإذا انحرَفَ أو أخطأَ فإنَّه يَتوبُ إلى اللهِ؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّ اللهَ يَغفِرُ الذُّنوبَ ولا يَقنَطُ مِن رحمَةِ اللهِ عز وجل، فالإنسانُ ليسَ مَعصُومًا، ولكن إذا حَصلَ منه مُخالفةٌ فإنَّه يُبادرُ بالتَّوبةِ إلى اللهِ، ويَعلمُ أنَّ اللهَ يَتوبُ على مَن تابَ، ولا يأخُذُه القُنُوطُ واليأسُ من رَحمةِ اللهِ، ولا يَتلاعَبُ به الشَّيطانُ حتَّى يَيأَسُ من رَحمةِ اللهِ، هذا هو الإحسانُ.

فدلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ الدِّينَ يَتفاضَلُ وأنَّ بَعضَه أعظَمُ من بعضٍ، فأوَّلُ مَراتِبِه هيَ الإسلامُ، وهوَ الانقيادُ للهِ عز وجل، وهو على قِسمَيْنِ:

القسمُ الأوَّلُ: إسلامٌ معهُ إيمانٌ، سواءً كانَ قليلاً أو كثيرًا، وهذا إسلامُ المُؤمنينَ، وهو الإسلامُ الصَّحيحُ الَّذي يُثابُ عليه، وهوَ الإسلامُ الَّذي مَعهُ إيمانٌ يُصحِّحُه ولو كان قليلاً؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات: 14]، ليس معنى هذا