×
المِنحَةُ الرَّبانيَّةُ في شَرحِ الأربَعينَ النَّوَويَّةِ

أنَّ هؤلاءِ الأعرابَ مُنافقونَ، لكنَّ معناه أنَّهم لم يَتكامَلْ عندَهمُ الإيمانُ، وهم ادَّعُوا مَنزلةً لم يَصلُوا إليها حِينما قالوا: ﴿آمَنَّا فلو قالوا: ﴿أَسْلَمْنَا لكانَ هذا هو التَّعبيرُ السَّليمُ؛ ولهذا قالَ اللهُ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، ثمَّ قالَ: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14] «لمّا» للمُستقبَلِ الَّذي ليس مَوجُودًا الآنَ ولكنَّه سيوجَدُ، فاللهُ بشَّرَهم بأنَّ الإيمانَ سَيدخُلُ في قُلوبِهم في المُستقبلِ، ويَقوَى إيمانُهم شَيئًا بعْدَ شَيءٍ، ولكنَّهم استَعجَلُوا وقالُوا: ﴿آمَنَّا فهُمُ ادَّعُوا مَنزلةً لم يَصِلُوا إليها؛ فلذلكَ أنكَرَ اللهُ علَيهِم، وبيَّنَ الَّلائقَ بهِم، وأنَّ الإنسانَ لا يُكمِّلُ نفْسَه ويدَّعي شَيئًا لم يَصِلْ إليه، قال: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14] لم يقل: لم يُؤمِنوا، بل قال: ﴿وَلَمَّا وفَرْقٌ بينَ «لمَّا» وبينَ «لمْ»، «لمْ» للنَّفْي المُطلَقِ، أمَّا «لمَّا» فهِيَ للنَّفْي المُؤقَّتِ.

قالَ: «أَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ» إلى آخرِ الحديثِ، لمَّا كانَ مِن جُملَةِ أركانِ الإيمانِ: الإيمانُ باليَومِ الآخِرِ، وهو يَبدَأُ بقِيامِ السَّاعةِ ونِهايَةِ الدُّنيا، فقِيامُ السَّاعةِ هو نِهايَةُ الدُّنيا، وبِدايَةُ الآخرةِ، فهُو الأجَلُ الذي ضرَبَه اللهُ سبحانه وتعالى لهذهِ الحياةِ، يَنتَهِي ثمَّ تقومُ القِيامَةُ، والإيمانُ بذلكَ رُكْنٌ من أركانِ الإيمانِ، فمَن شكَّ في قِيامِ السَّاعَةِ، أو تردَّدَ أو جَحدَ قِيامَ السَّاعةِ فإنَّه كافِرٌ، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن: 7]، ولا يَكْفي أنَّ الإنسانَ يُؤمِنُ باليَومِ الآخِرِ، بل لا بُدَّ أن يَعمَلَ لليومِ الآخرِ، فيَعملُ