وليسَ منَ الحِكمَةِ أنْ تسألَ عن قِيامِ السَّاعةِ،
بل الحِكمةُ أن تَسألَ عمَّا تَعمَلُ، وكيفَ تَستعدُّ لهذا اليَومِ، هذا هوَ
الَّذي لكَ فيه مَصلحَةٌ؛ ولهذا لمَّا قالَ جِبريُل للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:
«أَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ» قالَ صلى الله عليه وسلم: «مَا
الْمَسْؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ» أي أنا وأنت سواءٌ، كلُّنا
لا نَعلم متَى قِيامُ السَّاعةِ، فإذا كان جبريلُ عليه السلام وهو سيِّدُ
الملائكةِ، ومحمَّدُ صلى الله عليه وسلم وهو سيِّدُ ولدِ آدَمَ لا يَعلَمَانِ
وقْتَ قِيامِ السَّاعةِ، فكيفَ يأتي مَن يدَّعي هذا؟ فهذا فيه أنَّ عِلْمَ أو
تَوقيتَ قِيامِ السَّاعةِ لا يَعلَمُه إلاَّ اللهُ سبحانه وتعالى، «مَا
الْمَسْؤولُ عَنْهَا» وهو محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، «بِأَعْلَمَ مِنْ
السَّائِلِ» وهوَ جِبريلُ، أي كلُّنا سواءٌ لا نَعرفُ هذا، وهذا تَصديقٌ
للقُرآنِ في أنَّ علْمَ السَّاعةِ إلى اللهِ جل وعلا. وفي هذا أنَّ مَن سُئِلَ عَن
شَيءٍ لا يَعلَمُه فإنَّه يَردُّه إلى اللهِ ولا يَتخَرَّصُ فيه.
قالَ: «فَأَخْبِرْنِي
عَنْ أَمَارَتِهَا» أي عَلاماتِها، العَلاماتُ الَّتي تدلُّ على قُرْبِ قيامِ
السَّاعةِ مَوجودةٌ، قال تعالى: ﴿فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ
أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18]، أي علاماتُها، الأشراطُ: يعني العلامات، قال
تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ
أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ﴾ [البقرة: 210]، وَقْتُ قيامِ السَّاعةِ لا يَعلَمُه إلاَّ
اللهُ.
أمَّا العلاماتُ الَّتي تدلُّ على قُربِ قيامِ السَّاعةِ فهيَ كَثيرةٌ ومعلومَةٌ، منها ما هو كَبيرٌ، ومنْها ما هو صَغيرٌ، ومِنها مُتوسِّطٌ، وقد حدَثَ الكَثيرُ منها، وبقِيَ العلاماتُ الكبارُ، وقدْ ألَّفَ العُلماءُ مُؤلّفاتٍ كثيرةً في ذِكْرِ أشراطِ السَّاعةِ، وعلاماتِ قيامِ السَّاعةِ، وهذا عِلْمٌ يُدرَكُ منَ النُّصوصِ والأدلَّةِ.