ويعيشُون في البَراري، وفي آخِرِ الزَّمانِ يَتحضَّرُون،
ويَسكُنُون الحاضِرَةَ ويَبنُون، كانوا بالأوَّلِ يَسكُنون في الخِيامِ وفي بُيوتِ
الشَّعرِ، في آخرِ الزَّمانِ يَتطاوَلُون في المَباني، يَبنُون ويَتفاخَرُون في
المَباني، ورُبَّما يَبني الطَّوابقَ الكثيرةَ العالِيَةَ ويُنمِّقُها
ويُزَيِّنُها ويُحسِّنُها، وهو كان في الأصل يَسكُنُ في بيتِ شَعرٍ أو خِيمةٍ أو
ما أشبَهَ ذلك فتحوَّلَ حالُهم، هذا من علاماتِ السَّاعةِ «يَتَطَاوَلُونَ فِي
الْبُنْيَانِ»؛ كما هو واقعٌ الآنَ مِصداقًا لقَوْلِه صلى الله عليه وسلم،
فإنَّ أهلَ الباديَةِ سَكنوا المُدنَ وصاروا يَتباهُون في المَباني، كلُّ واحِدٍ
يُريدُ أن يكونَ أحسَنَ من الآخرِ في بِنايَتِه، ومَظهَرِها، وارتِفاعِها، فهذا من
علاماتِ الساعةِ ومن مُعجزاتِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم، حيثُ أخبرَ عن شَيءٍ
وقَعَ كما أخبَرَ صلى الله عليه وسلم.
قالَ: «ثُمَّ
انْطَلَقَ» أي: قامَ السَّائلُ وخرَجَ، فخَرجَ بعضُ الصّحابةِ في أثَرِه فلم
يَجدُوه، وهذهِ عَجيبةٌ؛ لأنَّه كانَ بَينَهم ويسألُ ويتكلَّمُ، وفي لحظَةٍ
اختَفَى عنهم.
قالَ: «أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ، أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» هذا فيه دليلٌ على أنَّ الملك لا يأتي في صُورَتِه المَلكيَّةِ؛ لأنَّ النَّاسَ لا يُطيقونَ رُؤيَتَه على صُورَتِه المَلكيَّةِ، وإنَّما في صُورةِ إنسانٍ؛ حتَّى لا يَنفِرَ النَّاسُ مِنه، وغالِبًا ما يأتي جِبريلُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في صُورةِ رجلٍ وعندَه أصحابُه؛ كسائِرِ السَّائلينَ والطُّلابِ لا يَتميَّزُ عنهُم؛ لأجْلِ أن لا يَنفِرُوا.