وفي هذا دليلٌ على أنَّ المَلائكَةَ تَتشَكَّلُ
بأشكالٍ حسَبَ المَصلحَةِ، وقد أعطاهم الله القدرَةَ على ذلكَ؛ لأجْلِ مَصلحَةِ
البَشرِ. والنَّاسُ لا يَرَوْنَ الملائكَةَ إلاَّ عندَ العَذابِ - والعِياذُ
باللهِ - وكذلكَ عندَ المَوتِ تَظهَرُ الملائكَةُ ويَراهمُ المُحتضِرُ، قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ
الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: 22]، أمَّا قبلَ ذلكَ
فالنَّاسُ يَروْنَهم في صُورٍ لا تَختَلِفُ عن صُوَرِ النَّاسِ.
لكن لماذا جاءَ
جِبريلُ؟ ولماذا جَلسَ؟ الجوابُ على لِسانِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: «أَتَاكُمْ
يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ»، فهو لا يَسأَلُ ليَتعلَّمَ، وإنَّما يَسأَلُ
ليُعلِّمَ، فهذا فيهِ دليلٌ على أنَّ السُّؤالَ والجَوابَ مِن طُرقِ التَّعليمِ، بل
مِن أبلَغِ طُرقِ التَّعليمِ أن يكونَ عَن طريقِ السُّؤالِ والجَوابِ، وهيَ
طريقَةٌ تربويَّةٌ جيِّدةٌ معروفةٌ.
قولُه: «يُعَلِّمُكُمْ
دِينَكُمْ» فيهِ دليلٌ على أنَّ الدِّينَ يُؤخَذُ بالتَّعلُّمِ، لا يُؤخَذُ
منَ العاداتِ والتَّقاليدِ والبِدعِ والمُحدثاتِ، وفيهِ دليلٌ على أنَّ
الدِّينَ يتكوَّنُ من ثَلاثِ مراتِبَ، بَعضُها أفضَلُ من بَعضٍ:
المَرتَبةُ الأُولى: الإسلامُ وأركانُه
خَمسةٌ.
المَرتبةُ الثّانيةُ
فَوقَها: الإيمانُ وأركانُه ستَّةٌ.
المَرتبةُ الثَّالثةُ - وهيَ أعلاَها:
الإحسانُ وهوَ رُكْنٌ واحِدٌ، «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».
وفي هذا الحثُّ على تَعلُّمِ الدِّينِ، وأنَّ المُسلمَ يَجبُ عليهِ أن يَتعلَّمَ دِينَه، لا يَكتَفي أن يقولَ: أنا مُسلِمٌ، لا بُدَّ أن يَتعلَّمَ ما هو الإسلامُ؛