المنابرِ، إنَّما هذا يكونُ بينَ النَّاصحِ
وبينَ وليِّ الأمر، إمَّا مُشَافهةً، وإمَّا كِتابةً، وإمَّا بأنْ يُوصِيَ مَن
يتَّصِل به ويُنبِّهه على ذلك، فليسَ من النَّصيحةِ لوُلاةِ الأمورِ الكلامُ فيهم
في المجالس، أو في غيرِ ذلك؛ لأنَّ هذا من الخيانةِ لوُلاةِ الأمور، وإن كان
عندَهم تقصير، فليسَ من النَّصيحةِ أنْ تُشَهِّر بأخطائِهم عندَ النَّاس؛ لأنَّ
هذا يجرُّ شرًّا، بل النَّصيحةُ أنْ تُبلِّغَهم إن استطعْتَ ذلك، أو تُبلِّغَهم
بالواسِطة، فإنْ عجَزْتَ عن إبلاغِهم مباشرةً أو بالواسطةِ فإنَّ الواجِبَ أنْ
تسكُتَ لأنَّك معذُور.
أمَّا مَن يتكلَّم في شَأنِ وُلاةِ الأمورِ عندَ النَّاس، وعندَ الأعداء، وعندَ الخُصُوم، فهذا يَجرُّ شَرًّا، ويُفرِّق الأمَّة، وليسَ من النَّصيحة، بل هو من التَّأليبِ على ولاةِ الأمُور، وهو أشدُّ أنواعِ الغَيبة؛ لقولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في معني الغَيْبة: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُهُ»([1]) هذا مع عامَّةِ النَّاس، فكيفَ بوُلاةِ الأمُور، وليسَ هذا مِن إنكارِ المُنكَر - كما يقولُ - بعضُهم، هذا هو المُنكَر نفسه، التَّشهير بِهم في المَجَالس، فإِنكارُ المُنكرِ له طُرُق، إنكارُ المنكرِ مع الوُلاةِ أنْ توصل إليهم النَّصيحةَ بأيِّ طريقٍ هذا إنكار المنكر، أمَّا إذا عجَزْتَ عن ذلك فإنَّك تَسكُت؛ لأنَّك معذور، ولا تتكلَّم فيهم وتقول: هذا إنكارُ منكر، هذا لا يجدي شيئًا، بل هذا يزيدهم حقدًا، ويزيدهم غيظًا على رعيّتهم فتحصل المفاسد، أو أنّهم يتسلّطون على الدّعاة، وعلى طلبة العلم، يتسلّطون عليهم بسبب هذا الكلام الذي يقال وينشر، فيجرّ ذلك شرًّا على الأمّة، هذا ليس من
([1]) أخرجه: مسلم رقم (2589).