رَحِمَ اللهُ، قال
تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا
جَهُولاً﴾ [الأحزاب: 72]، إلاَّ مَن مَنَّ اللهُ عليهِ بالدِّينِ
والإيمانِ فإنَّه يتطهَّرُ مِن هذه الخَصْلةِ. قالَ المُتنبيُّ:
والظُّلْمُ مِنْ
شِيَمِ النُّفُوسِ فَإِنْ تَجِدْ *** ذَا عِفَّةٍ فَلِعِلَّةٍ لاَ يَظْلِمِ
قالَ سُبحانه: «يَا
عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ»
كُلُّ العِبادِ ضالُّونَ عنِ الحقِّ، إلاَّ مَن هَداهُ اللهُ، أي: دلَّهُ وأرشَدَه
إلى الحقِّ وثَبَّتَه، فلولا هِدايَةُ اللهِ بإرسالِ الرُّسلِ، وإنزالِ الكُتبِ،
ونَصبِ الأدلَّةِ للنَّاسِ لبَقَوْا في ضَلالِهم، ولكنَّ اللهَ مِن رَحمَتِه بهم
هداهُم، ودلَّهُم، وأرشَدَهم، ووَفَّقَهم، وثَبَّتَهم، والهِدايةُ على قِسمَيْنِ:
الأوَّلُ: هِدايةٌ بمَعنى
البَيانِ والإرشادِ، وهذه حاصِلَةٌ لكلِّ أحدٍ، فاللهُ قد هَدَى النَّاسَ جميعًا
المؤمنينَ والكفَّارَ، بمعنى أنَّه بَيَّنَ لهُم وأرشَدَهم ودلَّهُم على الصَّوابِ
بإرْسالِ الرُّسلِ، وإنزالِ الكُتبِ، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا
يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ
وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]، وقال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ
فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]، ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ يعني دلَلْنَاهم على الإيمانِ، وعلى الطَّريقِ
الصَّحيحِ، لكنَّهم لم يَقْبَلوا الهُدَى، بلِ اسْتَحبُّوا العَمى على الهُدَى،
هذه هِدايةٌ عامَّةٌ.
الثَّاني: هدايةٌ خاصَّةٌ، وهي هدايةُ التَّوفيقِ والقَبولِ، وهذه لا يَنالُها إلاَّ أهلُ الإيمانِ، فقَولُه: «كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلاَّ مَن هَدَيْتُهُ» يعني: وَفَّقْتُه للحقِّ، وهيَ: الهِدايةُ الخاصَّةُ، أمَّا الهدايةُ العامَّةُ فهيَ حاصِلةٌ لكلِّ أحدٍ.