×
شرح عمدة الأحكام من كلام خير الأنام مما اتفق عليه الشيخان الجزء الثاني

هذا من خصائص الحرم، ولأن الحرم الناس يأتون له من الأقطار، وربما يأتي صاحبها ويبحث عنها، فإذا أخذتها أين يلقاها؟! اتركها في مكانها؛ حتى إذا جاء صاحبها أو وَصَّى أحدًا، يجدها في مكانها، «إِلاَّ مُنْشِدٌ».

«فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو شَاهٍ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ»؛ يعني: اكتبوا لي هذا الحديث.

الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَمنع من كتابة الحديث في عهده صلى الله عليه وسلم؛ لئلا يختلط الحديث بالقرآن، وكان يأمر بكتابة القرآن.

ولكن إذا طلب فرد واحد الكتابة فلا بأس؛ ولهذا طَلَب هذا الرجل؛ لأنه لا يَحفظ، فطَلَب أن يُكتب له. فأَمَر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُكتب له.

فدل على: أن كتابة الأفراد للحاجة لا بأس بها، وإنما الممنوع هو الكتابة العامة؛ أن يُدَوَّن كلام الرسول كما يُدَوَّن القرآن، هذا في عهده لا يجوز؛ لئلا يختلط القرآن بغيره؛ وإنما رَخَّص لهذا الرجل خاصة لحاجته إلى ذلك، ولأن هذا ليس فيه محظور ولا يُخشى أن يختلط بالقرآن.

وإنما دُوِّنت السُّنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، لما زال المحظور، لما دُوِّن القرآن وانتهى وانقطع الوحي زالت العلة التي من أجلها مُنعت كتابة الحديث.

فدَوَّن المسلمون أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم في عصر عمر بن عبد العزيز ومَن جاء بعده، وعُمِلت المصنفات في السُّنة ودواوين السُّنة؛ لأنه زال المحظور.