×
شرح عمدة الأحكام من كلام خير الأنام مما اتفق عليه الشيخان الجزء الثاني

 هكذا قَضَى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حَمَل بن النابغة الهُذَلي - وهو والد القاتلة - كأنه استثقل هذا الحكم، فقام وقال: «يا رسول الله - هو لم يستغرب ضمان المرأة القتيلة، إنما استغرب ضمان الجنين -، كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لاَ شَرِبَ وَلاَ أَكَلَ، وَلاَ نَطَقَ وَلاَ اسْتَهَلَّ؟! فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ!»؛ يعني: يُهْدَر.

هذا اعتراض على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم، النبي لم يلتفت إليه، وقال: «إِنَّمَا هُوَ مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ»؛ لأن الكهان هم الذين يَسْجَعون، ويَرُدون الحق بسجعهم. هذه طريقة الكهان، فهو يُشْبِههم في أنه رَدَّ الحق بهذا السجع: «لاَ شَرِبَ وَلاَ أَكَلَ، وَلاَ نَطَقَ وَلاَ اسْتَهَلَّ» يعني: ما صرخ «فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ»، يُطَلّ: يعني: يُهْدَر، هذا سجع.

والسجع إذا كان فيه رَدٌّ للحق فهو سجع الكهان الباطل، أو كان سجعًا متكلفًا فإنه مُمِل في لغة العرب.

أما السجع الذي ليس فيه رَدٌّ للحق وليس فيه تكلف، فلا بأس به. السجع يأتي في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي في كلام البلغاء، لكنه من غير تكلف وليس فيه ردٌّ للحق. فهذا النوع من السجع غير ممقوت.

وإنما الممقوت هو المتكلف، أو الذي فيه رَدٌّ للحق؛ كما فَعَل حَمَل بن النابغة.

فهذا الحديث فيه فوائد عظيمة:

الأولى: فيه ما يكون بين النساء من الغيرة، وما بين الضرائر من الغيرة؛ فالذي حَمَل هاتين المرأتين على الاقتتال هو الغيرة بينهن؛ لأنهن ضرتان.