وهذا استنكارٌ من
الله سبحانه وتعالى لمن يريد أن يستبدل الشّريعة بالقوانين الوضعيّة؛ لأنّ
القوانين الوضعيّة هي حكم الجاهليّة؛ لأنّ حُكم الجاهلية أوضاع وضعوها ما أنزل
الله بها من سُلطان، والقوانين الوضعيّة أوضاع وضعها البشر، فهي وحكم الجاهليّة
سواء لا فرق، فالذي يريد أن يرجع بالناس إلى القوانين الوضعيّة يريد حكم الجاهليّة
الذي أراده المنافقون من قبل.
ثم قال: ﴿وَمَنۡ
أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50] بمعنى: لا، أي: لا
أحد أحسنُ من الله حكمًا؛ لأنّ الله سبحانه وتعالى عليم حكيم خبير، يعلم ما
يصلُح به العباد، ويعلم حوائج النّاس، ويعلم ما يُنْهِي النزاعات بين النّاس،
ويعلم العواقب وما تؤول إليه، فهو تشريعٌ من عليم حكيم سبحانه وتعالى لا يستوي هو
والقوانين التي وضعها البشر، الذين عقولهم قاصرة وتَدخُلهم الأهواء والرّغبات،
وعِلمهم محدود - إنْ كان عندهم علم - لا يُشرِّع للبشر إلا خالق البشر الذي يعلم
مصالحهم، ويعلم ما تنتهي إليه أُمورهم، ولهذا قال: ﴿وَمَنۡ
أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا أحدَ أحسنُ حُكمًا من الله، وأفعل التفضيل
هنا على غير بابه، فليس هناك طرفان، أحدهما أفضل من الآخر، فحُكم البشر ليس
فيه حُسن أبدًا، وإنما حُكم الله هو الحُسن وحده، وما سواه باطل قبيح.
***