وإنْ كان أصل النذر
منهيًّا عنه؛ لأنَّه يحرج نفسه ويورِّط نفسه وهو في عافية وفي سعة، إنْ شاء فعل
وله الأجر، وإنْ شاء ترك ولا إثم عليه، لكنَّه إذا نذر فقد ألزم نفسَه وأوجب على
نفسِه فضاق عليه الأمر إنْ ترك هذا النذر ولم يفِ كان عاصيًا وآثمًا وكان قبل ذلك
في سعة، ولهذا نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال: «إِنَّ النَّذْرَ
لاَ يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» ([1])، فقبل أن ينذُر
يُكره له أن ينذُرَ، والمجال أمامه مفتوحٌ للطَّاعات إنْ فعل فله أجر وإن لم يفعل
فلا إثم عليه.
لكنَّه إذا نذر
والتزم فإنَّه عاهد الله فيجب عليه الوفاء: ﴿وَمِنۡهُم
مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ
وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥ فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن
فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦ فَأَعۡقَبَهُمۡ
نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ
ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ﴾ [التوبة: 75- 77]، فالذي ينذُر
الطاعة ثم لا يفي بها هذه صفتُه عند الله، ويُعتبر كاذبًا فيما بينَه وبين الله.
فهذا يدلُّ على
وُجوب الوفاء بالنَّذر إذا كان نذر طاعة، وأنَّ ترك الوفاء به من علامات النِّفاق،
وأن هذا يكْثُر في آخِر الزَّمان، أنَّ النَّاس ينذُرون ولا يوفون.
وما أكثر الآن ما يسأل النَّاس: «أنا نذرتُ أصوم»، «أنا نذرت أتصدَّق» يريد التخلُّص مِن النَّذر، يبحث له عن مخارج، وهذا ممَّا يدلُّ على وقُوع هذه الصفة في آخر الزمان، وإلاَّ لو كان قويَّ الإيمان صادقًا مع الله ما احتاج إلى أنَّه يبحث عن المخارِج.
([1])أخرجه: البخاري رقم (6234)، ومسلم رقم (1639).