وَلَيسَ هَذَا مَحلُّه الآنَ، لَكنَّه
لِلفَائدَةِ فَقَطْ، وَإلاّ مَحلُّ هَذَا أنَّ البُخَارِي رحمه الله استَدَلَّ
بِحَديثِ جِبْريلَ عليه السلام علَى أنَّ الإِسلاَمَ وَالإِيمَانَ وَالإِحسَانَ
كلَّه دَاخِلٌ فِي الدِّينِ، قَالَ: «هَذَا
جِبْرِيلُ أَتَاكُم يُعَلِّمُكُم أَمرَ دِينِكُم»، فدلَّ علَى أنَّه لاَ دِينَ
إلاَّ بِالإِسلاَمِ، وَلاَ إِسلاَمَ إلاَّ بِالإِيمَانِ، والإِحسَانُ فَوقَ
الاثْنَين؛ مَرتَبةٌ عُليَا، الإِنسَانُ يَتَدرَّج: أَوّلاً مُسلِمٌ، ثمَّ يكُونُ
مُؤمنًا، ثمَّ يكُونُ مُحسِنًا.
قَالَ
رحمه الله: «عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَارِزًا
يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ:
«الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ»»، وفِي نُسخَةٍ: «رَجُلٌ» ([1])؛
مَعنَى: «رَجُل» هُو جِبْريل عليه
السلام، الرِّوَايَةُ الأُخرَى تُفسِّر الرَّجلَ مَن هُو، وَجِبْريل عليه السلام
هَل هُو رَجلٌ أَم مَلَكٌ؟ يقُولُ هنَا: «رَجُلٌ»؛
أي: فِي صُورَةِ رَجلٍ، هُو مَلَكٌ، والمَلَك لاَ يَأتِي لِلنّاسِ بِصُورَتِه
المَلَكِيةِ؛ لاَ يُطِيقُون ذَلِك، لاَ يُطِيقُون رُؤيَةَ المَلَك، فَيَأتِيَهم
بِصُورةِ رجُلٍ؛ مِن أَجلِ ألاَّ يَنفِرُوا مِنه، هَذِه حِكمَةُ الله سبحانه
وتعالى.
ومَا رَأَى رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم جِبْرِيلَ عليه السلام فِي صُورَتِه المَلَكِيّةِ إلاَّ مَرّتَين فَقَطْ: ﴿وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ ١٣عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ ١٤﴾ [النجم: 13- 14]، رآَهُ ليَلةَ المِعرَاجِ فِي السَّماءِ، وَرَآه المَرَّةَ الأُولَى فِي الأَرضِ حِينَمَا ضَايَقَه قَومُه، وَخَرَجَ مِن بَينِهم يُفكِّرُ أَينَ يَذهَبُ، وَإذَا بِصَوتٍ فَوقَه، فَرَفَعَ رَأسَه، فَإِذَا جِبْرِيلُ عليه السلام عَلَى صُورَتِه بَيْن السَّماءِ وَالأَرضِ، هَذَا فِي بَطحَاءِ مَكةَ،
([1]) أخرجه: البخاري رقم (4777)، ومسلم رقم (9).