×
إتْحَاف الطُّلابِ بِشرحِ مَنظُومةِ الآداب

فَمَا هَذِهِ الأَيَّامُ إلاَّ مَرَاحِلُ *** تُقَرِّبُ مِنْ دَارِ اللِّقَا كُلَّ مُبْعَدِ

وَمَنْ سَارَ نَحْوَ الدَّارِ سِتِّينَ حِجَّةً *** فَقَدْ حَانَ مِنْهُ المُلْتَقَى وَكَأَنْ قَدِ

فَمَا النَّاسُ إلاَّ مِثْلُ سُفْرٍ تَتَابَعُوا *** مُقِيمٌ لِتَهْوِيمٍ عَلَى إِثْرِ مُغْتَدِ

*****

«عَنْ رَبِّكُمْ»؛ اللهُ هو الذي قال لكم: ﴿وَتَزَوَّدُواْ، وهو أصْدقُ القائِلينَ سبحانه وتعالى، وخَبرُه لا شَكَّ فيه، وهو خَبرٌ يقينٌ عن ربِّ العالمِينَ، قال لكُم: ﴿وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ [البقرة: 197]. هل بَعدَ هذا شَيءٌ.

عُمُرُكَ أيامٌ، كلَّ يومٍ تَطوي مَرحَلَةً؛ مثل الذي يَسيرُ في الطَّريقِ، كلَّ يومٍ يَقطعُ مرحلَةً حتى يصِلَ إلى البَلدِ، أنت كذلِكَ كلَّ يومٍ تطوي مَرحلَةً من عُمُركِ حتَّى تصلَ إلى البَلدِ وهِيَ الآخِرَة، فأيَّامُكَ مَراحلٌ، بِالأيَّامِ وبالسَّاعاتِ وبالسِّنينَ، مراحِل تقْطعها، وما مضى لَن يَعودَ عَليكَ أبدًا.

أَمْسُ الذِي مَضَى عَلَى قُرْبِهِ *** يَعْجَزُ أَهْلُ الأَرْضِ عَنْ رَدِّهِ

مَن بلَغَ «سِتِّينَ حِجَّةً»؛ يعني سَنَةً، كما قال تعالى: ﴿عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ [القصص: 27]، يعني ثَمانِي سِنينَ، فمن بلغ السِّتِّينَ، وصل إلى المَدَى، افْرضْ أنَّك عُمِّرْت إلى السَّبعينَ، إلى الثَّمانِينَ، فالمَدى قَريبٌ جِدًّا، أو إلى المائة فالمَدى قَريبٌ.

«حَانَ مِنْهُ المُلْتَقَى»؛ لقَاءه للهِ عز وجل، «وَكَأَنْ قَدِ»، يَعْني كأنَّه وقَعَ وحَصَل.

الناس كلُّهم مُسافرونَ إلى الآخِرَة، ولكن لا يَنْتقِلون جَميعًا، ولكن واحِدًا واحِدًا، فكما تَروْنَ جِيرانَكم وأهْلَكم وأقارِبَكُم يذهَبونَ