×
إتْحَاف الطُّلابِ بِشرحِ مَنظُومةِ الآداب

فَكَمْ غُبِنَ مَغْبُونٌ بِنِعْمَةِ صِحَّةٍ *** وَنِعْمَةِ إِمْكَانِ اكْتِسَابِ التَّعَبُّدِ

فَنَفْسُكَ فَاجْعَلْهَا وَصِيُّكَ مُكْثِرًا *** لِسَفْرَةِ يَوْمِ الحَشْرِ طِيْبَ التَّزَوُّدِ

وَمَثِّلْ وُرُودَ القَبْرِ مَهْمَا رَأَيْتَهُ *** لِنَفْسِكَ نَفَّاعًا فَقَدِّمْهُ تَسْعَدِ

*****

نعمتانِ مَغبونٌ فيهما كُلُّ مُسلمٍ: الصِّحَّةُ في الأبدانِ، والفَراغُ؛ لأنَّكَ ما دُمت صَحيحًا فإنَّك تَقوى على العَملِ، وتصَلِّي وتَصومُ؛ أما إذا مَرضْتَ فلا تَستطيعُ أن تَقومَ ولا تَستطِيعُ أن تُصلِّيَ، وكذلك الفرَاغُ، بادِرْ ولا تُضيِّعْه باللَّهوِ والغَفلَة، بل اشْغلْهُ بالطَّاعةِ. هذه نِعمَة أعْطَاكَ اللهُ ومَكَّنَكَ مِنها، قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ[الشرح: 7]، أي إذا مَكَّنَك الله من العَملِ فلا تُضيِّع هذا الفَراغَ؛ لأن بَعضَهم يَستعْمِلُ اللَّهو واللَّعبَ والغَفلَة ويقول: نَقتُل الوقتَ، الوَقتُ ثَمينٌ كيفَ تَقتُلُه، هل هو عدوٌّ لَك! الوقتُ كسبٌ لكَ، فعليك باغْتنَامِه، وعليك بشَغْلِه بِطاعَةِ اللهِ عز وجل، ولا تُضيِّعْه باللَّهو واللَّعبِ.

عَليكَ بِنفسِكَ لا تُضيِّعْها، ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ [الحشر: 19].

ما زالَ النَّاظمُ رحمه الله يُذكر بالمَوتِ، ويحثُّ على الاسْتعدَادِ لهُ، وهذا أمرٌ لا بُدَّ منه، فلا ينْبَغي للإنسانِ أن يَغفُل عن المَوتِ ويَتمادى في هذه الدُّنيا غافلاً عن المَوت؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ»، واللهُ جل وعلا يَقولُ: ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ[العنكبوت: 57]، هذا للتَّذكِيرِ، فالإنسانُ إذا تَذكَّر المَوتَ فإنه لا يَنساقُ وراءَ الدُّنيا، وينشغلُ عن العَملِ الصالِحِ والاسْتِعْدادِ للمَوتِ، فإنه لا ينْفَعه من هَذهِ الدُّنيا إلاَّ ما أخذ منها لآخِرَتِه، وما زاد عن ذلك فإنَّه ذاهبٌ وتاركُهُ لغَيرِه.