فالنَّاظمُ في هذا
البَيتِ يقولُ: تذَكَّرْ أنَّك في يَومٍ من الأيامِ، وما أقرب ذَلكَ لا بُدَّ أن
تُحمَلَ إلى هذا القَبر، وهو مَنزِلك في طريقكَ إلى الآخِرة، فهُوَ محَطَّةٌ بين
الدُّنيا وبَينَ الآخِرَة تُسمى بالبَرزَخ، والبَرزَخ: هو الفَاصلُ بين
الشَّيئينِ، فتذَكَّر هذا المشهد وهَذه النقْلَة؛ واللهُ ذكَّر بِهذا، لما امتَنَّ
على عبَادِه بخلق المَراكِب التي يَركبُونها فقال ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ
ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ١٢ لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ
إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا
هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ﴾ [الزخرف: 12- 13]، ثمَّ
ذَكَّرهُم بالآخِرَة فقال: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: 14]، وكما
أنَّكَ ركِبْتَ هذه الدَّابة أو هذه الباخِرَة، أو هذه السَّيَّارَة، تذكر
المَركَب الذي ينقِلُكَ إلى القَبرِ وهو النَّعشُ: ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾
كُلُّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهُ *** يَوْمًا عَلَى آَلَةٍ
حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
فَلابُدَّ من هذا،
لا بُدَّ أن تُحمَلَ على هذا النَّعشِ إلى القَبرِ، فتذَكَّر هَذا بهَذَا.
تذكَّرِ القَبر وَزُرِ المَقابِرَ كما أمَرَ
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، تذكر إذا رَأيتَ المَقابِر أنَّك سَتكونُ فيها
عمَّا قَريبٍ، الدُّنيَا كُلُّها قَليلَة، وأنك في يوم من الأيَّام سَتكون في
دَاخلِ هذه المَقابِر مع الأمْواتِ، تذَكَّرْ هَذا، ولهَذا قَال صلى الله عليه
وسلم: «زُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ بالآْخِرَةِ»