فَمَا
نَفَعَ الإِنْسَانَ مِثْلُ اكْتِسَابِهِ *** بِيَوْمٍ يَفِرُّ
المَرْءُ مِنْ كُلِّ مُحْتَدِ
*****
أنت تَبنِي
القُصورَ، والبُيوتَ وتُنمِّقها، وتُحسِّنها، وقد لا تَسكُنُها، بل يَسكُنُها
غَيرُك، والمقَرُّ الذي لا بُدَّ منه هُو هذا القَبر الذي على قَدرِ جِسمِك، ليسَ
فيه زِيادَة طُولاً وعَرضًا، وهذا القصْرُ المُمتدُّ، وهذه الغرَفُ والمَجالِسُ
والحدَائقُ، هذه ما هي بِمَنزِلٍ لَك، إن نَزلتَها في زَمنٍ مُؤقَّت، مثل
المُسافِر الذي ينْزِل تَحتَ شَجرَة ثم يَترُكُها ويَذهَبُ، وإنما مَنزلُكَ
الحقيقيُّ هو هذا القَبرُ، إما رَوضَةً من رياض الجَنَّة، وإما حُفرةً من حُفر
النَّار، تذكَّر هذا، ولا نَقُول: إنَّك تَترُك الدُّنيا، ولا تَبنِي لك مَسكنًا،
ما نَقولُ هذا. ولكن نقول: تَوسَّط، ولا تَغتَر بِالدُّنيا.
ما يَنفَعُ
الإنْسَانَ فِي الآخِرَةِ إلاَّ عَمَلُه، ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: 34- 36]، أقربُ
النَّاسِ إليكَ تَفرُّ مِنهُم يومَ القيامَة ويَفرُّون منكَ، ما أحدٌ يُساعدُك حتى
والدُك، حتَّى أمُّك وأخُوك، ما تُساعدُهم ولا يُساعِدونك، كلٌّ مَشغول بِنفسِه:﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ
مِنۡ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِۦ
وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ﴾[عبس: 34- 36]، لمَاذا بَدأَ
بالأَخِ؟ لأنَّ عادةَ النَّاس في الدُّنيا أنَّ الأخَ هو الذي يُساعِد أخاهُ، أما
الوَالدُ فيَكُون ضَعيفًا ويكون كَبيرَ السِّنِّ، ولكن الأخَ هُوَ العَضُد، قال
موسى عليه السلام: ﴿وَٱجۡعَل
لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩ هَٰرُونَ
أَخِي ٣٠ ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي﴾ [طه: 29- 31]، فالنَّجدةُ والمُساعدةُ تكونُ بالأخِ،
ولذلك بدأ بِه: ﴿يَوۡمَ
يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ﴾ [عبس: 34]، الذي يُساعدُكَ في الدُّنيا ما يُساعِدُك في
الآخِرَة، تَذَكَّر هذا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ
إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ﴾ [فاطر: 18]، ﴿يَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ
لِّنَفۡسٖ شَيۡٔٗاۖ﴾ [الانفطار: 19].