×
إتْحَاف الطُّلابِ بِشرحِ مَنظُومةِ الآداب

كَفَى زَاجِرًا لِلمَرْءِ مَوتٌ مُحَتَّمٌ *** وَقَبْرٌ وَأَهْوَالٌ تُشَاهَدُ فِي غَدِ

وَنَارًا تَلَظَّى أَوْعَدَ اللهُ مَنْ عَصَى *** فَمِنْ خَارِجٍ بَعْدَ الشَّقَا وَمُخَلَّدِ

*****

كفى بالمَوتِ واعِظًا للمَرءِ، أنت تَرى النَّاس يَموتُون عن يَمينِك وعن يَسارِك؛ جيرانُك، أو أهلُ بَيتِك يَموتُون بين يدَيكَ، تذكَّر المَوتَ، وأن الذي حَلَّ بهم سَيحلُّ بكَ، تذَكَّر أنَّ بعدَ المَوتِ القَبر الذي هو أوَّلُ مَنزلٍ مِن مَنازلِ الآخِرةِ، وهذا القَبرُ: «إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَإِمَّا حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» ([1])، كما في الحَديثِ، وتذَكَّرِ الأهْوالَ التي بعد القَبرِ، وتذكَّرِ البَعثَ من القُبورِ، والحَشرَ في السَّاهِرة، والحِسابَ، والمِيزانَ، والصَّحائفَ، والصِّراطَ على مَتنِ جَهنَّم، تذكر هذه الأمُور، هذه لا بُدَّ أنَّك سَترِد إليهَا، ما عنها مَحيصٌ، ولا أحدَ يتأخَّرُ عنها أبدًا، لا المؤمنُ ولا الكافِرُ، كلُّهم يَصيرون إليها، ولا يُخلِّصكَ منها إلاَّ العَملُ الصَّالحُ، والآن أنت بإمكَانِك العمَلُ الصَّالحُ، أنت الآن في هذه الدُّنيَا بإمكانِكَ العَملُ الصَّالحُ، ولكن سيأتي عَليكَ يَومٌ لا تستطيع عَملَ شَيءٍ، إذا نزل بكَ المَوتُ لا تستطيع شَيئًا، فبادرْ حَياتَك وبادِر عُمرَك، إن كان عِندَك حَسناتٌ فأكْثِر منها، وإن كان عِندَك سِيِّئَات فَتبْ مِنها واستَغفِر منها، ما دامَتِ الفُرصَة بِيَدِك.

تذَكَّرِ النَّار التي تتَلَظَّى، فالله جل وعلا يقول: ﴿فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ [الليل: 14]، ما قال: نارًا فقط، بل قال: ﴿تَلَظَّىٰ، تتوَقَّدُ ولا تُطفَأ أبدًا، فتَذكَّر هَذه النَّارَ، ومن يدْخُلونَها على قِسمَين:

القِسمُ الأوَّل: قِسمٌ يُعذب فيها ثُمَّ يَخرجُ مِنها، وهم أهْلُ الإيمَانِ


([1] أخرجه: الترمذي رقم (2460)، والطبراني في «الأوسط» رقم (8613).