×
إتْحَاف الطُّلابِ بِشرحِ مَنظُومةِ الآداب

فَيَا لَكَ أَشْقَى النَّاسِ مِنْ مُتَكَلِّفٍ *** لِغَيْرِكَ جِمَاعًا إِذَا لَمْ تَزَوَّدِ

*****

قَصاصٌ مكِّن من نَفسِك، بأن يُقتصَّ منكَ، لا بدَّ من القَصاصِ إما في الدُّنيا أو في الآخِرة، فلا تَخرُجْ مِن الدُّنيا وعلَيكَ مَظالِم للنَّاس، إذا كنت تُريد الخَلاص لنفسكَ فلا تتساهَل في المَظالِم.

الأمرُ الثَّاني: فَتِّش ما حصل مِنك في حالِ شَبابِك، وفي حال فُتوتِك وقُوتكَ، من الذُّنوب؛ لأن الشَّابَّ والقويَّ ربُّما أن شَبابَه يغريهِ، ويَحصلُ منه ما يَحصلُ، فَتُب إلى الله عز وجل، ففتِّش في أعْمالِك وتُبْ، واللهُ يقبلُ التَّوبةَ عن عِبادِه.

اللهُ جل وعلا يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ [الحشر: 18]، انظرْ في أعْمالِك، وانظُرْ فيما حَصلَ منكَ فأحدِثْ لِكلِّ ذنب تَوبةً، فمن تابَ تابَ اللهُ عليهِ، ولا تَقُلْ: هذا شيءٌ فاتَ وراحَ ونُسِيَ؛ فإنه مَكتوبٌ، والله جل وعلا يقول: ﴿أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ[المجادلة: 6]، فأنتَ وإن نَسيتَهُ فإن الله قد أحْصَاه عَليكَ.

«أَشْقَى النَّاسِ»؛ هو الذي لا يَتزوَّدُ لآخِرَتِه، وإنما يَجمَعُ لِغَيرِهِ، فالمَالُ يجمَعُهُ لِغيرِه ويتعَبُ فيهِ وهو لِغيرِهِ، وقد تكونُ الأعمالُ الصالحَةُ أيضًا تذهَبُ لغَيرِه من المَظلومِين، أعمالُكَ قد لا تَنتَفِع بها يوم القيامَة، وإن كانت أعمالاً صالحَةً، فتؤخَذُ للمَظلومِين، فعليكَ تَذَكُّرُ هذه الأمُورِ؛ والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ لأَِخِيهِ مَظْلَمَةٌ فَلْيَتَحَلَّلْ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ يُؤْخَذُ مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ، أَوْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ