×
إتْحَاف الطُّلابِ بِشرحِ مَنظُومةِ الآداب

وَمُبْهَمُ طِينٍ في الشَّوارع طَاهِرٌ *** وإلاَّ فَنَزَرُ منه عَفْوٌ بأجودِ

وَيُكْرَهُ بالأمطار كُلُّ مقابر إلاَّ *** وائل إن لم يَبْقَ عَظْمٌ بها نَدِي

                                                                      ****

الخامس: من حقوق الطَّريق أنَّك تُرْشِدُ التَّائِهِينَ الَّذين يريدون مقصدًا، ولا يهتدون إليه.

الأصل في الطِّين والماء الطَّهارة؛ فإذا مَرَرْتَ بِطِينٍ وأصابك شَيْءٌ منه، ابْنِ على الأصل وهو الطَّهارة، ما لم تعلم أنَّه نَجِسٌ.

وَيُرْوَى أنَّ عُمَرَ رضي الله عنه هو وجماعة مَرُّوا بِمِيزَابٍ، فَأَصَابَ أَحَدَهُمْ مَاءٌ من ذلك الميزاب، فقال الَّذي أصابه: يا صَاحِبَ الميزاب أَخْبِرْنَا. قال عُمَرُ: لا تُخْبِرْهُ.

لأنَّ السُّؤَالَ عن هذا تَكَلُّفٌ وَتَنَطُّعٌ؛ فالأَصْلُ الطَّهارَةُ والحَمْدُ لله ما لم تَعْلَمْ أَنَّهُ نَجِسٌ، وهذا من رَفْعِ الحَرَجِ عن هذه الأمَّة؛ لأنَّه قَلَّ في الطُّرُقَاتِ أن تكون يَابِسَةً، بل يَكُونُ فيها مَاءٌ، وَيَكُونُ فِيهَا طِينٌ.

وَمِنْ رَحْمَةِ الله أنَّه رَفَعَ عَنَّا الحَرَجَ، فتصلِّي ولو أصابك هذا الطِّينُ أو هذا الماء، وإذا وَطَأْتَ نَجَاسَةً في الطَّريق فيطهِّرها ما بَعْدَهَا من الأرض. وهذا من تَيْسِيرِ الله سبحانه وتعالى.

لا شكَّ أنَّ القُبُورَ لها حُرْمَةٌ، ولا يجوز امْتِهَانُ القبور والإساءة إلى الموتى، ولا يَجُوزُ نَبْشُهُمْ من القبور، ولا استعمال المقبرة في زِرَاعَةٍ أو بِنَاءِ مساكن، ما دامت آَثَارُهَا بَاقِيَةً، ومعالمها قائمة.

فإذا انْدَثَرَتْ فإنَّه يجوز استعمالها بعد ذلك، إذا زالت معالمها.

وقد حدَّدوا هذا بمائة سَنَةٍ، وهذا يختلف باختلاف الأماكن واختلاف الأجواء، ولكن الصَّحيحُ أنَّه ما دامت أنَّها قُبُورٌ مَعْرُوفَةٌ فيجب تَجَنُّبُهَا،