وفي هذا الحديثِ أن مَن
أفتَى بجهلٍ فإنه يَضُرّ السائلَ، وهَؤلاء أَفتوا هَذا الرجُل بجهلٍ فقَتلوه؛ لأنه
استعملَ المَاء فدخلَ في الجُرحِ وماتَ الرجُل، ولو أنَّهم سَألوا أهلَ العِلم لما
حصلَ هذا.
وجوابُ هذا السؤالِ: أنه يَعْصِب على
جُرحِه عِصابةً أو لُصوقًا أو جَبِيرةً، ثم يَمسحُ عليها، فيَغسل الصحِيح مِن
أعضائِه ويَمسح على الجَرِيح، وإذا كانَ عليه جَنابةٌ يَغسل الصحيحَ من جَسده
ويَمسح على الجُرح، ويَكفيه هذا، وهذا أمرٌ سَهل، لكن يَحتاجُ إلى عِلمٍ.
وهذا يدلُّ على أن الذِي ليس
عِنده عِلمٌ لا يجوزُ له أن يُفتيَ، لأنه يَضُرّ المُستفتِي، ويدُلّ على أن
الجاهلَ يَجب عَليه السُّؤال، ولا يَبْقَى في جَهْله أو يَعبد اللهَ على جهلٍ هذا
لا يَجوز له؛ لقولِه تَعالى: { فَسَۡٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ
إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ } [النحل: 43] ، وهذا أمرٌ، ما قالَ: اسألُوا أيَّ واحدٍ،
وإنما أمرَهم أن يَسألوا أهلَ العِلْم.
وإن كانتِ الآيةُ واردةً في
أهلِ الكِتاب الذِين يَعرفون الكُتب ويَسألون عن القُرآن هَل هُو حَقّ؟ وهَل هُو
مِن عِند اللهِ أو لاَ؟ لكِن لَفظها عامٌّ وإن كانَ السببُ خاصًّا، والعِبرة
بعُموم اللفظِ لا بخُصوص السببِ، فقَوله عز وجل : { فَسَۡٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ
} هذا لفظٌ عامٌّ،
وإن كانَ سببُه واردًا في القُرآن أن أهلَ الكِتاب يَعرفون أنه حَقٌّ، ويَسألون
عنه.
وقَوله تعَالى: { قُلۡ هُوَ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ}، الشاهِد في قَوله: { وَشِفَآءٞۚ} يَعني: مِن المَرَض
الحِسِّيِّ، ولذلكَ يُرقَى المَرِيض ويُقرأ عَليه مِن القُرآن، هذا مَرَض حِسِّيٌّ،
وكذلكَ هو شِفاء لمَرَض القَلْب مِن الجَهْل ومِن الشُّكُوك ومِن الذُّنُوب، فهو
يَشفي بإذنِ اللهِ، لكِن الشأنَ فِينا نَحن، هَل نَستشفي به ونُؤمِن به، أما
القُرآن نَفسه فهو شِفاءٌ، إذا اسْتُعملَ شَفَى اللهُ بهِ، وإنْ لم يُستعملْ لم
يَنفعْ.