وقال
تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۢ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ
ٱلۡيَوۡمَۚ﴾ [غافر:
17].
****
اليوم: يعني يوم القِيَامة، تُجزى كلُّ نفس بما كسبت، فأسند كسبها إليها وعلق الجزاء به، فدل على أنها لا تؤاخذ بكسب غيرها، ولا فعل غيرها، ولا ما فعلته وهي غير قاصدة له، أو جاهلة به، أو غير قادرة على تركه، لا تؤاخذ على ذلك إنما تؤاخذ على ما كسبت بفعلها واختيارها، وإرادتها وإقدامها، ﴿لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ﴾ [غافر: 17] لأنه لو آخذهم على غير كسبهم لكان ظالمًا لهم -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا - لا ظلم اليوم، وهو أن يؤاخذ أو يعاقب بغير جريمة وبغير فعل، هذا ظلم، والله جل وعلا لا يعاقب المُؤْمنِين ولا ينعم الكافرين، هذا ظلم، أي: وضْعٌ للشيء في غير موضعه، وإنما الثواب والعقاب والجنة والنَّار يتعلقان بالكفر والإِيمَان، والطَّاعَة والمعصية، فهي متعلقات بأفعال العباد التي يفعلونها باختيارهم وإرادتهم ومشيئتهم هذا هو الذي يؤاخذون عليه. وهذا هو العدل. أما أن يؤاخذ الإِنسَان على شيء لم يفعله أو على شيء فعله بغير اختياره أو بغير علمه، أو فعله مخطئًا - فإن هذا هو الظلم الذي تنزه الله سبحانه وتعالى عنه ﴿وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 5] فتح الله لهم باب التوبة وباب المغفرة، لم يُقَنِّطْهم، بل فتح لهم باب التوبة وباب الرجاء مع خطئهم وتَعمّدهم للمخالفة، لم يقنطهم من رحمته، بل فتح لهم باب الرجاء وباب التوبة والمغفرة ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 5] لمن تاب وآمن واستغفر ربه.