×
البيان لأخطاء بعض الكُتَّاب الجزء الثاني

 وإنَّما يُسمَّى بذلك من ينشد بتمطِيطٍ و تكسيرٍ وتهييجٍ وتشويقٍ بما فيه تعريضٌ بالفواحشِ أو تصريحٌ، قال القُرطبيُّ: قولها: «لَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ»؛ أيْ: ليستا ممَّن يعرفُ الغناءَ كما يعرفُهُ المغنِّيات المعرُوفات بذلك، وهذا منها تحرُّزٌ من الغناءِ المعتادِ عند المشتهرين به، وهو الَّذي يحرِّك السَّاكنَ ويبعث الكَامِنَ، إلى أن قال: وأمَّا التفَافُه صلى الله عليه وسلم بثوبِه ففيه إعراضٌ عن ذلك لكَونِ مقامِه يقتضي أن يرتفِعَ عنِ الإصغاءِ إلى ذلك، لكنَّ عدمَ إنكارِه دالٌّ على تسويغِ مثل ذلك على الوجهِ الَّذي أقرَّه؛ إذ لا يقرُّ على باطلٍ، والأصلُ التَّنزُّه عنِ اللَّعبِ واللَّهوِ فيقتصر على ما وردَ فيه النَّصُّ وقتًا وكيفيَّةٍ، تقليلاً لمخالفَةِ الأصلِ. واللَّه أعلم». ا هـ.

فاتَّضحَ من هذه النُّقولِ عن هؤلاءِ الأئمَّة في بيانِ معنى هذا الحديثِ، أنَّه لا يدلُّ بوجهٍ من الوجوهِ على ما ادَّعاه الغزاليّ والمؤلِّفُ القرضاويُّ من إباحَةِ الغناءِ مُطلقًا لا سيَّما الغناء المتعارف عليه اليوم.

3- وقول المُؤلِّف: «وقد رُوِيَ عن كَثيرٍ من الصَّحابَةِ والتَّابعين أنَّهم استمعوا الغِنَاءَ، ولم يروا بسمَاعِه بأسًا». هذه دَعوى منه، ونحن نطالِبُه بإبرازِ الأسانيدِ الصَّحيحةِ إلى هؤلاءِ الصَّحابة والتَّابعين بإثباتِ ما نسبه إليهم، وأنَّ هذا الغناءَ المنسوبَ إليهم استماعه، هو من جنسِ هذا الغناءِ المشتملِ على إلهابِ النُّفوسِ، الباعث على الوجْدِ والغرامِ، والمشتملِ على أوصافِ المحاسنِ من النِّساءِ، وأنَّى له ذلك و مجرَّد الدَّعوى لا يثبتُ به حكمٌ.

والدَّعَاوى إذا لم يُقِيمُوا بيِّناتٍ *** عليها أهلُهَا أدْعِيَاءُ

****


الشرح