×
شرح كتاب العبودية

وَكِلاَهُمَا تَارِكٌ لحقيقةِ عِبَادَةِ الله، وَإِذا كَانَ تَعَاوُنُهُمَا على الْعُلُوِّ فِي الأَرْض بِغَيْر الْحَقِّ، كَانَا بِمَنْزِلَةِ المُتَعَاوِنَيْنِ على الْفَاحِشَةِ أَو قَطْعِ الطَّرِيقِ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ من الشَّخصين لِهَوَاهُ الَّذِي اسْتَعْبَدَهُ واسترقَّه، يَسْتَعْبِدُهُ الآْخَرُ.

****

وقوله: «وَكِلاَهُمَا تَارِكٌ لِحَقِيقَةِ عِبَادَةِ اللهِ»: فَيُنْقَصُ مِنْ عِبَادَةِ الله بِقَدْرِ ما يَذِلُّ لغيره، وقد يترك عبادة الله من أَجْلِهِم.

أمَّا المؤمن فيُعلِّق قَلْبَهُ بالله، ومَنْ عَلَّقَ قلبه بالله، كَفَاهُ اللهُ كُلَّ شَيْءٍ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا [الطلاق: 3].

فالمؤمن يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بالله عز وجل وَيُطِيعُ الله مِنْ أَجْلِ أن يُطِيعَهُ النَّاسُ وَيَنْقَادُوا له، ولهذا ورد في الحديث: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ، رَضِيَ الله عَنْهُ وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ رَضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ، سَخِطَ اللهِ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ» ([1]).

فالمؤمن الحَقُّ يُعَلِّقُ قَلْبَهُ بالله عز وجل، ولا يَذِلُّ لِغَيْرِ الله، ولا يَطْمَعُ إلاَّ فيما عِنْدَ الله عز وجل؛ لأنَّ اللهَ بِيَدِهِ المُلْكُ، وَبِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ. فعلى المؤمن أن يعلِّق قلبه بالله جل وعلا، وسيذلُّ له النَّاس والمخلوقات بأمر الله عز وجل، ولا تأخذه في الله لَوْمَةُ لائِمٍ.

وليس معنى أنَّ الإنسان لا يَذِلُّ للنَّاس ولا يخضع للنَّاس أنَّه يستغني عن النَّاس نهائيًّا؛ بل هو محتاج إلى النَّاس، فيتعاون معهم، ولكن لا يَذِلُّ لهم، ولا يخضع لهم، وإنَّما يَذِلُّ ويخضع لله، وَيَسْتَعِينُ بالنَّاس


الشرح

([1])  أخرجه: ابن حبان رقم (276).