×
أضواء من فتاوى ابن تيمية الجزء الثاني

وقد أخرجاه في «الصَّحيِحين»، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا» وقال: «إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ الآْنَ مَا أَقُولُ» فذكر ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت: وَهِمَ ابن عمر! إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآْنَ أَنَّ الَّذِي قُلْتُ لَهُمْ هُوَ الْحَقُّ»، ثم قرأت قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ[النمل: 80] حتى قرأت الآية ([1])، وأهل العلم بالحديث والسُّنة اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر، وإن كانا لم يشهدا بَدْرًا فإن أنسًا روى ذلك عن أبي طلحة ([2])، وأبو طلحة شهد بَدْرًا.

إلى أن قال الشيخ: قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم توبيخًا وتصغيرًا ونِقْمَة وحَسْرَة وتَنْدِيمًا، وعائشة تأولت فيما ذكرته كما تأولت أمثال ذلك، والنص الصَّحيِح عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم مُقدَّم على تأويل من تأوَّل من أصحابه وغيره، وليس في القرآن ما ينفي ذلك؛ فإن قوله: {إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ[النمل: 80] إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه؛ فإن هذا مَثَل ضُرب للكفار والكفار تسمع الصوت، ولكن لا تسمع سماع قَبول بفِقْه واتباع كما قال تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ[البقرة: 171]؛ فهكذا الموتى الذي ضُرب بهم المثل لا يجب أن ينفي عنهم جميع السماع كما لم يَنْفِ ذلك عن الكفار.

***


الشرح

([1])أخرجه: مسلم رقم (2874).

([2])أخرجه: البخاري رقم (1370)، ومسلم رقم (931).