وقال الحافظُ أبو بكر البيهقي:
بابُ القولِ في الاستواءِ، قال تعالى: {ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾[طه: 5]، {ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾[الأعراف: 54]، {وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ﴾[الأنعام: 18]،
{يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ﴾[النحل: 50]، {إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ
وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ﴾[فاطر: 10] {ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ﴾[الملك: 16]، وأراد فوقَ السماءِ كما قال: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ﴾[طه: 71]،
بمعنى على جُذوعِ النَّخل، وقال: {فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾[التوبة: 2]؛ أي: على الأرض، وكلُّ ما عَلاَ فهو سَماء، والعرشُ
أعلى السَّماوات، فمعنى الآية: أأمنتم من على العرش كما صرَّح به في سائرِ الآيات،
قال: وفيما كتبنا من الآياتِ دلالةٌ على إبْطَالِ قولِ من زَعَم من الجهميَّةِ
أنَّ اللهَ بذاتِه في كلِّ مكان، وقوله: {وَهُوَ مَعَكُمۡ﴾[الحديد: 4]، إنما أراد بعلمِه لا بذاتِه.
وقال أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ في «شرح الموطأ» لما تكلَّم على
حديثِ النُّزول قال: هذا حديثٌ لم يختلفْ أهلُ الحديثِ في صِحتِه، وفيه دليلٌ على
أنَّ اللهَ في السماءِ على العرشِ من فوقِ سبع سماوات؛ كما قالت الجماعة، وهو من
حُجَّتِهم على المُعتزِلة، قال: وهذا أشهرُ عند الخاصَّةِ والعامةِ وأعرَفُ من أنْ
يحتاج إلى أكثر من حكاية؛ لأنَّه اضطرارٌ لم يوافقْهم عليه أحدٌ ولا أنكرَه عليهم
مسلِم.
وقال أبو عمر أيضًا: أجمَعَ علماءُ الصحابةِ والتابعين الذين حُمِلَ عنهم التأويل، قالوا في تأويلِ قولِه تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ﴾[المجادلة: 7]؛ هو على العرشِ وعلمُه في كلِّ مكان، وما خالَفَهم في ذلك أحدٌ يُحتَّجُ بقولِه.