×
الملخص الفقهي الجزء الثاني

وفي تخصيص القطع بهذا القدر حكمة ظاهرة، فإن هذا القدر يكفي المقتصد في يومه له ولمن يمونه غالبًا؛ فانظر كيف تقطع اليد في سرقة ربع دينارٍ مع أن ديتها لو جنى عليها خمسمائة دينار؛ لأنها لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت، ولهذا لما اعترض بعض الملاحدة -وهو المعري- بقوله:

يـد بخمـس مئيـن عسجـد وديـت *** مـا بـالها قطعـت في ربـع دينـار

أجابه بعض العلماء بقوله:

عـز الأمـانة أغلاها وأرخصها *** ذل الخيـانـة فـافهـم حـكمـة البـاري

ومن الأوصاف التي يجب توافرها للقطع في السرقة: أن يأخذ المسروق من حرزه؛ وحرز المال ما العادة حفظه فيه؛ لأن الحرز معناه الحفظ، والحرز يختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه؛ فالأموال الثمينة حرزها في الدور والدكاكين والأبنية الحصينة وراء الأبواب والأغلاق الوثيقة، وما دون ذلك حرزه بحسبه على عادة البلد، فإن سرقه من غير حرزٍ، كما لو وجد بابًا مفتوحًا، أو حرزًا مهتوكًا، فأخذ منه؛ فلا قطع عليه.

ولا بد أن تنتفي الشبهة عن السارق فيما أخذ، فإن كان له شبهة يظنها تسوغ له الأخذ؛ لم يقطع، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُم» ([1])؛ فلا قطع عليه بسرقته من مال أبيه ولا بسرقته من مال ولده؛ لأن نفقة كل منهما تجب في مال الآخر، وذلك شبهة تدرأ عنه


الشرح

([1])  رواه الترمذي: في كتاب: (الحدود) (1424)، والبيهقي (16834)، والحاكم (8163)، والدارقطني (3/84)