وَإِمَامَهُمْ»،
قال: فَإِن لم يَكُن لهم جماعةٌ ولا إمَام؟ قال: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا وَلَو أنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ
شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ» ([1]).
فَعَلَى الْمُسْلِم أنْ يتجنَّبَ الاِخْتِلاَف
والشِّقاقَ وَمُخَالَفَةَ الْمُسْلِمِين، وَيَلْزَم الْجَمَاعَة؛ لأنَّ هذا أَنجى
وأَسلمُ له وأبعَدُ له عن الْفِتَن، وهذا نحتاجه في هذه الأَْيَّامِ وما
بَعْدَهَا، لِكَثْرَة الأَْهْوَاء وَالآْرَاءِ والدَّعواتِ المُضلِّلةِ، ولتسلُّط
الأَْعْدَاء وَإِثَارَةِ الشُّبُهات وَالأَْحْقَادِ، فعلى الْمَرْء أن يَلْزَم
جَمَاعَة الْمُسْلِمِين وألاَّ يَفْتَرِق وَيُخَالِفَ جَمَاعَتَهُم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» الْمُرَاد بالدَّعوة هُنَا: الدَّعْوَة إلى الإسلام، وأنَّه إذا اجْتَمَع الْمُسْلِمُون فَإِنَّ دَعْوَتَهُم إلى الإسلام «تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ» بِمَعْنَى أنَّها تَصِل إلى من سِوَاهُم من الخَلْق، وأنَّهم إذا اخْتَلَفُوا فَإِنَّهُم سيشتغلون بِأَنْفُسِهِم وستنقطع الدَّعوة التي أُمِروا بها، لقوله تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ﴾ [آل عمران: 104] فَنَحْن قد كُلِّفنا بِدَعْوَة الْبَشَرِيَّة، هي مسئوليَّةٌ حمَّلَنا الله إيَّاها؛ لأنَّ الله اخْتَار الرَّسُول صلى الله عليه وسلم من الْعَرَب، وَأَنْزَل الْقُرْآن بِلُغَتِهِم، وَأَمَرَهُم أن يَدْعوا النَّاسَ، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥﴾ [آل عمران: 104-105]. والبيِّنات جَاءَت من عند الله تَعَالَى، فَيَجِب التَّمسُّك بها وَالاِجْتِمَاعُ عَلَيْهَا، لِتَكُون هي مَصْدَر قَوْلنَا وَفِعْلِنَا.
([1]) أخرجه: البخاري رقم (3411)، ومسلم رقم (1847).
الصفحة 5 / 339